يواجه الاتحاد الأوروبي مأزقًا دبلوماسيًا حادًّا مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث وصلت المفاوضات بشأن ملفي غرينلاند والرسوم الجمركية إلى طريق مسدود. هذا التصعيد دفع البرلمان الأوروبي مؤخراً إلى إرجاء قراره الحاسم بشأن استئناف الاتفاق التجاري مع واشنطن.
وتؤكد مصادر دبلوماسية أوروبية أن خيارات بروكسل للرد على طموحات ترامب في الاستيلاء على غرينلاند تبقى "محدودة"، خاصة مع التلويح المستمر من الجانب الأمريكي باستخدام القوة؛ ما يضع وحدة حلف شمال الأطلسي "الناتو" على المحك، ويُنذر بتفكك تاريخي في بنية التحالفات الغربية.
ويسعى الأوروبيون لمواجهة تهديدات ترامب عبر مسارات متعددة، تشمل بناء تحالف دولي مع كندا للضغط على واشنطن، وتحديث قوانين الأمن القومي بالتنسيق مع الدنمارك لحماية سيادة "غرينلاند".
كما تتضمن الخطة دعم المتضررين من أي عملية ضم محتملة، وتعميق الوجود الأوروبي في القطب الشمالي عبر شراكات علمية وأمنية، بالإضافة إلى تنويع سلاسل التوريد لتقليل الارتهان للتقنيات الأمريكية. ورغم هذه التحركات، تسود شكوك عميقة حول فاعلية هذه الأدوات في كبح جماح خطط الرئيس الجمهوري.
وكان البرلمان الأوروبي علّق الاتفاق الخاص بالرسوم الجمركية مع واشنطن، احتجاجاً على مطالب ترامب بالاستحواذ على جزيرة غرينلاند، وكان من المقرر أن تحدد لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي موقفها الثلاثاء الماضي، إلا أنه تم إرجاء القرار إلى الأسبوع المقبل.
ويقول دبلوماسي فرنسي رفيع المستوى، إن خيارات الدول الأوروبية "ذات المفعول المؤثر" أمام تهديد ترامب بالاستيلاء على غرينلاند محدودة، لاسيما أن التلويح باستعمال القوة حاضر بشكل كبير؛ مما يكون له أثر طبيعي في تفكيك حلف شمال الأطلسي "الناتو"، لأنه يصدر من رئيس أمريكي، لا يرى سوى الاستحواذ على هذه الجزيرة.
وأوضح الدبلوماسي الفرنسي في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن التواصل الأوروبي مستمر مع واشنطن للوصول إلى تفاهم مناسب مع إدارة الرئيس الجمهوري، ولكن الولايات المتحدة لا تعطي أي اهتمام لأسباب عدة في صدارتها إدراك ترامب أن الدول الأوروبية لا تستطيع تكوين قوة حتى تتعامل بها؛ وهو ما يجعل بلدان القارة العجوز "مكبلة".
واستكمل المصدر، أن قضية الرسوم الجمركية تضع الدول الأوروبية في زاوية "ضيقة"؛ لأن الولايات المتحدة متحكمة في السوق العالمية إلى حد كبير، وقادرة على فرض عقوبات تجعل القوى الاقتصادية الأوروبية الكبرى "مشتتة" وتتعرض لخسائر ضخمة في ظل خضوع النظام المالي الدولي، لنفوذ مباشر من واشنطن.
ويؤكد نائب رئيس إحدى الأمانات الفيدرالية بالحزب الاشتراكي الألماني، حسين خضر، أن هناك ورقة خيارات أمام الدول الأوروبية للتعامل مع تهديدات ترامب لضم غرينلاند بجانب أزمة الرسوم الجمركية، وفي صدارتها العمل على توافق المواقف وتكوين تحالف سياسي ودبلوماسي دولي مع بلدان من بينها كندا، يعمل بالضغط على إدارة ترامب لمراجعة هذه السياسات.
وبيّن خضر في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن من بين الخيارات الأوروبية، اللجوء إلى منظمة التجارة العالمية لتسجيل شكوى فردية من الدول الأعضاء وجماعية من الاتحاد الأوروبي ضد أي تعريفات مخالفة للقواعد، والوصول إلى حكم يتيح فرض رسوم مضادة متوافقة قانونياً أو اتخاذ إجراءات دفاع تجاري ضد الإغراق أو الإعانات أو تدابير الطوارئ.
واعتبر خضر أن من بين الخيارات الأوروبية للتعامل مع تهديدات ترامب، تشديد الرقابة على الاستثمارات الأجنبية بقرار جماعي من الاتحاد الأوروبي لحماية أصول استراتيجية في القطب الشمالي مع تطبيق ضوابط تصدير على تكنولوجيا حساسة، وتقديم دعم وتمويلات لتنمية غرينلاند وبنيتها التحتية والطاقة المتجددة لتقليل تعرضها للابتزاز الخارجي.
ولفت خضر إلى ضرورة مراجعة قوانين الأمن القومي وإجراءات حماية الأراضي الأوروبية بالتنسيق مع الدنمارك لحماية غرينلاند وتطبيق سياسات دعم مؤقتة للشركات والمواطنين الأوروبيين المتضررين هناك من أي عملية ضم، مع تعميق الوجود الأوروبي في القطب الشمالي عبر اتفاقيات علمية وأمنية وبيئية وتنويع سلاسل التوريد لتقليل الاعتماد على سلع وتقنيات أمريكية حساسة.
ويرى الخبير في الشؤون الأوروبية، محمد رجاء بركات، أن الاتحاد الأوروبي يجد نفسه مضطراً لسلوك مسار التفاوض مع ترامب كخيار وحيد ولا بديل عنه. ويعزو بركات ذلك إلى الفجوة العسكرية الهائلة، حيث تفتقر أوروبا للقدرة على مواجهة الولايات المتحدة التي تبسط نفوذها العسكري داخل القارة بأكثر من 100 ألف جندي و28 قاعدة عسكرية، يضم بعضها ترسانة نووية؛ ما يجعل أي مواجهة خياراً غير واقعي.
وأضاف بركات في حديث لـ"إرم نيوز"، أنّ الاتحاد الأوروبي في المرحلة الراهنة، غير قادر على خوض مواجهة عسكرية، كما لا يستطيع التخلي عن المظلة الدفاعية الأمريكية، لكونه غير جاهز بعد لإنشاء قوة عسكرية مستقلة ومنفصلة عن حلف شمال الأطلسي، وبالتالي فإن الطريق الوحيد المتاح أمامه حاليًا يتمثل في التفاوض مع ترامب وإدارته.
وذكر بركات أن الخلافات لم تقتصر على الجانب السياسي، بل امتدت إلى الملف الاقتصادي، وخصوصًا ما يتعلق بالرسوم الجمركية، معتبرا أنه في حال أقدم الرئيس ترامب على فرض هذه التعريفات المرتفعة التي قد تصل إلى 50%، سيتسبب في خسائر لدول القارة العجوز تُقدَّر بـ100مليار يورو.
وأشار إلى أنّ الرئيس الأمريكي في المرحلة الحالية، أفسد إلى حد كبير ما كان تم التوصل إليه سابقًا من اتفاقيات لاسيما تلك المتعلقة بالمبادلات التجارية بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي.