حولت موجة عنف مرتبطة بتجارة المخدرات قضية الأمن إلى المحور الرئيسي في الانتخابات البلدية في مرسيليا، والمقررة في مارس/آذار المقبل، في سباق يراقبه الجميع عن كثب باعتباره مؤشرًا على الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027.
ووصلت الأزمة ذروتها حين اضطرت شركة "أورانج" العملاقة للاتصالات إغلاق مقرها وإجبار آلاف الموظفين على العمل من المنزل بسبب اندلاع أعمال عنف في مجمع سكني مجاور مرتبط بتجارة المخدرات.
هذه الحادثة التي أصابت شركة بهذا الحجم أصبحت رمزًا جديدًا لكيفية إعادة تشكيل تجارة المخدرات وانعدام الأمن للمشهد السياسي قبيل الانتخابات البلدية في مارس/آذار المقبل.
وفي استطلاع رأي حديث، احتل الأمن مرتبة متقدمة بين اهتمامات الناخبين، ما أجبر المرشحين من مختلف الأطياف السياسية على طرح حلول متنافسة لمواجهة تجارة المخدرات.
"الموضوع الأول هو الأمن"، كما قالت مارتين فاسال، المرشحة من يمين الوسط لـ"بوليتيكو".
وأضافت أنه "في الميدان، أكثر ما أسمعه من الناس هو أنهم لم يعودوا يتنقلون في قلب المدينة لهذا السبب".
تراقب الأحزاب السياسية الفرنسية هذا السباق عن كثب بحثًا عن مؤشرات حول المعارك الأوسع التي تتشكل نحو السباق الرئاسي لعام 2027.
ومن نواحٍ عديدة، تمثل مرسيليا نموذجًا مصغرًا لفرنسا ككل، حيث تعكس التركيبة السكانية الأوسع للبلاد وأكبر معاركها السياسية.
المدينة متنوعة.. أحياء متعددة الثقافات ومنخفضة الدخل تميل لدعم اليسار المتشدد، تتجاور مع ضواحٍ محافظة تحولت نحو اليمين المتطرف في السنوات الأخيرة.
وكما هو الحال في معظم أنحاء فرنسا، فإن الدعم للوسط السياسي في مرسيليا يتزعزع.
ويظل العمدة الحالي من اليسار، بينوا بايان، المرشح الأوفر حظًا بفارق طفيف في سباق مارس/آذار المقبل، لكن فرانك أليسيو، مرشح "التجمع الوطني" اليميني المتطرف، يأتي مباشرة خلفه، حيث يحصل كلاهما على حوالي 30% في استطلاعات الرأي.
وتمس القضايا المطروحة جوهر هوية مرسيليا، تجارة المخدرات سيئة السمعة، والفقر المتجذر، والفشل في الاستفادة من المزايا التنافسية لمدينة شابة تغمرها الشمس، وتقع في موقع استراتيجي على البحر المتوسط.
وأي مرشح يستطيع صياغة برنامج يتحدث عن الواقع المحلي لمرسيليا مع معالجة القلق المشترك في جميع أنحاء فرنسا، سيكون في وضع جيد للسيطرة على قاعة المدينة — ولتزويد حزبه بمخطط محتمل لحملة 2027 الرئاسية.
لطالما عانت مرسيليا من عقدة "الأخ الأصغر" مع باريس، استياء يتجاوز التنافس الكروي بين باريس سان جيرمان وأولمبيك مرسيليا.
ويعتبر كثيرون في المدينة العاصمة الفرنسية مركز قوة بعيدًا يحاول فرض حلوله الخاصة على مرسيليا دون التشاور الكافي مع الخبراء المحليين.
"باريس تعامل مرسيليا تقريبًا كمستعمرة"، حسب قول أليسيو.
وأضاف "مكان تزوره، تقدم له الوعود.. دون أي ضمان بأن الأموال ستُصرف فعلًا".
وعندما يتعلق الأمر بتجارة المخدرات والأمن، يتفق القادة من جميع أنحاء الطيف السياسي على أن باريس تصف دواءً يعالج أعراض الأزمة وليس السبب.
أُعيد العنف المرتبط بتجارة المخدرات إلى دائرة الضوء في نوفمبر/تشرين الثاني مع مقتل مهدي كساسي البالغ من العمر 20 عامًا.
وتحقق السلطات في الجريمة باعتبارها عملًا من أعمال الترهيب، فشقيق مهدي، أمين كساسي، هو واحد من أبرز الناشطين المناهضين للاتجار بالمخدرات في المدينة، حيث برز بعد مقتل أخيه غير الشقيق — الذي كان متورطًا في التجارة — قبل عدة سنوات.
وزار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ووزير الداخلية لوران نونيز، ووزير العدل جيرالد دارمانان، مرسيليا في أعقاب مقتل كساسي، حيث حددوا أجندة صارمة ضد الجريمة لوقف العنف وتدفق المخدرات.
ويؤكد السكان المحليون أن الاستثمارات في القانون والنظام يجب أن تقابلها تمويلات للخدمات العامة.
وما لم تحسّن السلطات الاقتصاد الراكد الذي شجع الشباب العاطلين عن العمل على التوجه لتجارة المخدرات، ستستمر المشكلة.
"القمع وحده ليس فعالًا"، حسب قول كوثر بن محمد، عاملة اجتماعية سابقة تحولت إلى ناشطة.
وأضافت "لو كان كذلك، لما ازدهرت تجارة المخدرات كما فعلت".
والإسكان قضية أخرى، حيث يعيش العديد من السكان الفقراء في مبانٍ خطرة ومتداعية، وقالت كوثر "نحن نعيش في مدينة قذرة.. نحن لسنا آمنين هنا".
المرشحون الأربعة الرئيسيون لمنصب العمدة يتشاركون تشخيصًا مماثلًا، فجميعهم يعتقدون أن قصص الجريمة المروعة التي تتصدر العناوين الوطنية هي نتيجة ثانوية لنقص الوظائف وإهمال الخدمات العامة — وأن ردود الدولة الفرنسية تخطئ الهدف.
وبدلًا من الاعتماد على عقوبات أقسى كرادع، يجادلون بأن الدولة يجب أن تعطي الأولوية للشرطة المحلية والاستثمار العام.
وعندما أعلن بايان ترشحه لإعادة الانتخاب، تعهد بوجبات مجانية لـ 15 ألف طالب لإعادتهم إلى المدرسة، ومضاعفة عدد رجال الشرطة المحليين كجزء من دفعة نحو المزيد من الشرطة المجتمعية.
برنامج أليسيو يضع التركيز على الإنفاق المتعلق بالأمن: زيادة المراقبة بالفيديو، والمزيد من المركبات للشرطة المحلية، وإنشاء "وحدات متخصصة لمكافحة السرقة والإخلال بالنظام العام".
أما فاسال - من يمين الوسط المدعومة من الجمهوريين المحافظين والأحزاب المتحالفة مع ماكرون - فقد طرحت بالمثل اقتراحًا لتسليح مفتشي الأجرة في وسائل النقل العام.
ويدعو كل من أليسيو وفاسال لتخفيضات غير محددة في الإنفاق مع الحفاظ على الخدمات الأساسية المقدمة على المستوى المحلي، مثل المدارس والنقل العام والمنتزهات والترفيه.
والاستثناء هو سيباستيان ديلوغو، تلميذ المرشح الرئاسي من اليسار المتشدد جان لوك ميلونشون الذي خاض السباق ثلاث مرات.
وعلى الرغم من أن ديلوغو يحتل المركز الرابع بنسبة 14% في استطلاعات الرأي، لا يمكن استبعاده، نظرًا لأن ميلونشون فاز في مرسيليا في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الأخيرتين.
ورغم أن ديلوغو يعترف بأن الجريمة مشكلة، فإنه لا يريد إنفاق المزيد من المال على الشرطة.
وبدلًا من ذلك، يقترح توجيه الأموال التي يريد المرشحون الآخرون إنفاقها على الأمن نحو الحد من الفقر وتوفير المساكن وقطاع الصحة العامة المحلي.
لكن من يفز سيتعين عليه التعامل مع حقيقة مزعجة، بصرف النظر عن الشرطة المحلية المسؤولة عن الأمن العام والصحة، إذ إن الشرطة والعدالة الجنائية تُدار إلى حد كبير على المستوى الوطني، فالحل لمشاكل مرسيليا سيعتمد، إلى حد كبير، على نتيجة ما سيحدث في باريس.