كشف تقرير حديث أن اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي و"ميركوسور" تجاوزت أبعادها الاقتصادية لتصبح رسالة جيوسياسية قوية: تحدٍ هادئ للهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي ومحاولة لخلق نفوذ عالمي يقوم على الشراكة والتعاون بدلاً من التهديد والقوة العسكرية.
وبعد 25 عامًا من المفاوضات المتقطعة، جاء قرار الاتحاد الأوروبي بالموافقة على الاتفاق المزمع توقيعه في 17 يناير الجاري، في وقت يشهد تصعيدًا أمريكيًا بأسلوب "مبدأ دونرو الجديد"، حيث تتزايد التهديدات العسكرية في الكاريبي وغرينلاند، بحسب "فورين بوليسي".
في المقابل، اختارت أوروبا وأمريكا الجنوبية مسار الشراكة الاقتصادية والدبلوماسية، مثبتة أن القوة لا تقتصر على الصواريخ والأساطيل، بل يمكن بناؤها عبر التحالفات الذكية والمصالح المشتركة.
ويرى المحللون أن هذا الاتفاق يمنح دول "ميركوسور" (الأرجنتين والبرازيل وباراغواي وأوروغواي) هامشًا أكبر للمناورة الاقتصادية والسياسية في مواجهة الضغوط الأمريكية، ويعيد للكتلة قيمتها بعد سنوات من التشتت والانقسامات الداخلية.
أمّا بالنسبة لأوروبا، تمثل الصفقة وسيلة لتأمين الوصول إلى الموارد الحيوية والمعادن الاستراتيجية، خصوصًا في البرازيل والأرجنتين وبوليفيا، وتقليل الاعتماد على الصين في هذه المجالات الحساسة.
وعلى المستوى الرمزي، يبرز هذا الاتفاق قدرة الشمال والجنوب على التحالف في مواجهة الضغوط الأمريكية أحادية الجانب، ويثبت أن العولمة والشراكات الاقتصادية يمكن أن تكون أدوات قوة حقيقية، وليست أدوات تجارية فحسب، بل أدوات دبلوماسية وسياسية استباقية.
ويعتقد مراقبون أن جميع بنود اتفاقية الاتحاد الأوروبي وميركوسور إذا تحققت بالكامل، فستكون أكبر اتفاقية تجارية تبرمها أي من الكتلتين على الإطلاق، لكن أهميتها تتجاوز الجوانب الاقتصادية بكثير، فهي تُظهر أن عدم القدرة على التنبؤ بسياسات واشنطن قد يكون له آثار إيجابية غير مقصودة؛ إذ يحفز قوى أخرى على بناء تحالفات جديدة والاستثمار في الدبلوماسية، وفي ظل تداعيات "مبدأ دونرو" وتهديدات ترامب المتواصلة ضد الدنمارك العضو في الاتحاد الأوروبي، يُعدّ هذا الاتفاق إنجازًا كبيرًا.