أعلنت الأحزاب اليمينية التركية، ذات التوجه القومي، رفضها لعملية السلام الجارية بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني، بعد وصولها لمرحلة مفصلية يتم فيها إعداد تشريعات وقوانين تلبي تطلعات أكراد تركيا وتضع إطاراً قانونياً للتعامل مع قادة ومقاتلي الحزب الكردي المسلح.
ويقود حزب "الجيد"، ذلك الموقف الرافض لمسار عملية السلام الحالي، بوصفه أكبر أحزاب اليمين القومي المعارض في البرلمان، والذي يمتلك 30 مقعداً في البرلمان التركي من أصل 600 مقعد، ويمثل خامس أكبر الأحزاب في البلاد.
كما تضم قائمة أحزاب اليمين المعارضة لعملية السلام، حزب "النصر" الذي فشل في دخول البرلمان في انتخابات عام 2024، لكن زعيمه أوميت أوزداغ نشط في الظهور عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وقاطع حزب "الجيد" طوال الأشهر الماضية، لجنة برلمانية ضمت ممثلين عن أحزاب البرلمان، وخرجت بتقرير يتضمن اقتراحات لسن تشريعات وقوانين تمثل خلاصة نقاشات واسعة لإنجاح عملية السلام وتحقيق مطالب طرفيها.
لكن مع الوصول لتلك المرحلة المتقدمة من عملية السلام، بدأ حزب الجيد وتيار اليمين القومي في البلاد، بتبني خطاب معادٍ لمقترحات الحل التي تقول الأحزاب القومية، إنها تهدد وحدة تركيا ومقوماتها وتتعارض مع الدستور ومواده الأساسية التي تحدد شكل الدولة.
شهد البرلمان التركي، أول الاعتراضات الحادة على تقرير لجنة السلام البرلمانية، والاقتراحات التي يتضمنها، عندما وصفه رئيس حزب "الجيد"، مساوات درويش أوغلو، بأنه "يُمثل مرحلةً مُخزيةً في الاستسلام لسياسة الابتزاز. إنه مزيج من التهور والخبث والخيانة. بعض ما كُتب فيه مُضحك، وبعضه مُحزن".
وأضاف درويش أوغلو في كلمة خلال اجتماع المجموعة البرلمانية لحزبه، الأربعاء، أن "الدولة لا تتحدث مع الإرهاب، بل تُسيطر عليه. جمهورية تركيا ليست كيانًا يتفاوض مع الإرهاب".
وانتقد درويش أوغلو، وصف زعيم حزب العمال الكردستاني، عبدالله أوجلان، بالقائد، أو مدح دوره في عملية السلام، مضيفاً: "لا يحاول أحد منح ذلك المجرم (أوجلان) مكانة جديدة. لن تتغير مكانته أبدًا في نظر الوطنيين.. إنه مجرم.. وقاتل أطفال.. وعدو لتركيا".
وكان درويش أوغلو ينتقد خطاب دولت بهتشلي، زعيم حزب الحركة القومية الذي تأسس حزب "الجيد" من منشقين عنه عام 2017 بسبب تحالف بهتشلي مع الحزب الحاكم برئاسة رجب طيب أردوغان، ومن ثم إطلاقه دعوة للسلام عام 2024 قوبلت باستجابة من أوجلان.
ويمثل حزب "الجيد" الرافض لاستمرار عملية السلام وفق المسار الحالي، موقف اليمين المعتدل مقارنة بحزب "النصر" الذي يوصف بكونه يمينا قوميا متشددا، ويبدي معارضة أشد لعملية سلام تفضي لإطلاق سراح أوجلان.
وقال المتحدث باسم الحزب، عزمي كارامحمود أوغلو، إن حزبه سيفشل "هذه اللعبة القذرة"، في إشارة لعملية السلام التي تضمنت في بدايتها دعوة أوجلان لإلقاء كلمة في البرلمان التركي بعد إعلان حل حزبه وإلقاء مقاتليه للسلاح.
وأوضح كارامحمود أوغلو في بيان، أن ما يجري حالياً هو "محاولات منح مكانة وشرعية لزعيم الإرهاب المسؤول عن مقتل عشرات الآلاف من شهدائنا ومواطنينا، من أجل تحقيق مكاسب سياسية".
وجاء بيان الحزب بالتزامن مع موقف مماثل لزعيمه أوميت أوزداغ الذي انتقد بدوره توجه حزب الحركة القومية وحزب "الديمقراطية والمساواة للشعوب" الممثل للأكراد، لإطلاق سراح أوجلان أو تخفيف القيود عنه.
وقال أوزداغ عبر حسابه الرسمي في "إكس"، الأربعاء: "إن منح أوجلان وضعاً جديداً يعني إخراجه من صفة السجين ومنحه صفة جديدة كزعيم لحزب العمال الكردستاني وكبير المفاوضين. ماذا سنرى أيضاً؟".
وقال مصدر برلماني تركي، إن الأصوات الرافضة لمسار عملية السلام، لا تشكل تهديداً للمرحلة الحالية، كون الأحزاب الداعمة للعملية تمتلك أغلبية مطلقة تمكنها من تمرير أي تشريعات؛ ما جعل موقف حزب "الجيد" غير مؤثر من ناحية التصويت في الفترة القادمة.
وأضاف المصدر لـ "إرم نيوز"، إن حزب العدالة والتنمية الحاكم وحليفه حزب الحركة القومية، بجانب حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، لم تنخرط ثلاثتها حتى الآن، في أي مفاوضات مع حزب "الجيد"، لإقناعه بتغيير موقفه في عملية السلام.
وأوضح المصدر، أن الأحزاب الثلاثة الداعمة لعملية السلام، تركز على عدم تأثير التيار الرافض لمسار عملية السلام على الشارع التركي، لاسيما مع احتمال اللجوء لاستفتاء شعبي على إقرار دستور جديد لتركيا، كما ورد في اقتراح تقرير لجنة السلام البرلمانية.
وأشار إلى أن الأحزاب الثلاثة تكثف من تواصلها مع قواعدها وأنصارها عبر خطابات تبرز مزايا نجاح عملية السلام الحالية وتأثيرها على مستقبل البلاد واقتصاد تركيا وتحسين مستوى المعيشة الذي يستقطب كثيرا من السكان.
ويمتلك حزب "الجيد" كتلة في البرلمان، ويتلقى مساعدات من خزينة الدولة ولديه تمثيل في لجان البرلمان، لكنه لا يتحالف مع أي حزب حالياً، بما في ذلك حزب الشعب الجمهوري، ثاني أحزاب البرلمان وأكبر أحزاب المعارضة بعد توقعات في ذلك الاتجاه.
وأكدت صحيفة "جمهوريت" المقربة من حزب الشعب الجمهوري، الأربعاء، أن حزب "الجيد" لا يجري حاليًا أي مفاوضات لشكيل تحالف، ولا توجد لديه أي سياسات تكتل جديدة على أجندته؛ ما يبقي تأثيره السياسي محدوداً.