تعليق المفاوضات الإيرانية الأمريكية غير المباشرة للتشاور على أن تستأنف مساء اليوم بتوقيت جنيف
رأى بهرنج بورحسيني، الخبير في السياسية الإيرانية بجامعة "باريس8"، أن إبقاء شبح الحرب الدائمة يُعدّ ركيزة محورية في أسلوب حكم النظام الإيراني.
ورجح الخبير الفرنسي-الإيراني، في حديث لـ"إرم نيوز"، أن يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لـ"تعديل النظام" عبر الضغط العسكري وليس إسقاطه كلياً، كما أن الرئيس الجمهوري يُفضل إيجاد "إيران مهانة" على غزو عسكري يورطه.
وقدم پورحُسيني في حواره مع "إرم نيوز" رؤية شاملة تتناول احتمالات الضربة العسكرية، وحدود المفاوضات، ومآلات المشهد الداخلي الإيراني، وموقف القوى الإقليمية والدولية، وسط تصاعد حدة التهديدات العسكرية الأمريكية وجولة مفاوضات جديدة منتظرة غدا بين واشنطن وطهران في مدينة جنيف السويسرية.
شبح الحرب لا يزال حاضرًا، والخيار العسكري لا يمكن استبعاده، غير أن اندلاعه سيتوقف إلى حدٍّ بعيد على مآل المحادثات الجارية، ومدى المرونة التي ستُبديها الجمهورية الإسلامية، وعلى مستوى المطالب والضغوط التي ستواظب الولايات المتحدة على ممارستها في مختلف الملفات المطروحة.
ومع ذلك، حين نحلل طبيعة العلاقة بين الجمهورية الإسلامية وخصومها الخارجيين، لا بد أن نتجاوز الثنائية الكلاسيكية بين حالة الحرب وحالة السلم. فالعلاقة ليست سلمًا مستقرًا ولا حربًا مُعلنة؛ بل هي تقع في منطقة رمادية تتشابك فيها الضغوط والردع والعقوبات والعمليات غير المباشرة والمواجهات المحدودة.
بعبارة أخرى، غياب الحرب المُصرَّح بها لا يعني وجود سلام راسخ، بقدر ما يعكس حالة مزمنة من المواجهة المتقلبة الحدة، تتعايش فيها الدبلوماسية والتهديد العسكري جنبًا إلى جنب. وإبقاء شبح الحرب الدائمة يُعدّ ركيزة محورية في أسلوب حكم الجمهورية الإسلامية. فباسم مكافحة "العملاء الأجانب"، خاض النظامُ حربًا كامنة متواصلة ضد مجتمعه ذاته.
تبقى أهداف الولايات المتحدة في حال لجوئها إلى القوة العسكرية ضبابية. ويبدو في المحصلة أن جمهورية إسلامية مُضعَفة ومُهانة لكن محتفِظة بسلطتها هي خيار أكثر جدوى لترامب من تدخل عسكري مباشر يستوجب نشر قوات على الأرض الإيرانية.
وفي سيناريو الغارات الجوية المحدودة أو العمليات العسكرية المقيّدة على غرار "حرب الـ12 يومًا"، فإن أي عمل لا يُفضي إلى إسقاط سريع للنظام لن يزيده إلا توحشًا في مواجهة المجتمع الإيراني المأخوذ رهينةً، المُسلَّم لانتقام أعمى وقمع شامل. فما لا يُفني الجمهورية الإسلامية يجعلها أشد.
في المفاوضات الجارية، ثمة 3 ملفات رئيسة مطروحة على الطاولة: البرنامج النووي الإيراني، ومدى الصواريخ الباليستية، ودعم إيران لحلفائها وأذرعها الإقليمية، المعروفة بـ"محور المقاومة"، وفي هذا الإطار، أصرّت إيران باستمرار على أنها لن تُفاوض إلا في الملف النووي، وأنها لن تتنازل لا في برنامجها الصاروخي ولا في شبكتها الإقليمية.
أما الملف النووي، فيُمثّل منذ أمد بعيد ورقة استراتيجية في المفاوضات مع القوى الأجنبية. فبدون هذه الورقة التي يُحسن النظام توظيفها، ستجد الجمهورية الإسلامية نفسها في موقع ضعف، ولذلك تُديم حالة من الغموض حول عناصر حساسة، لا سيما مخزونها من اليورانيوم المُخصَّب البالغ نحو 400 كيلوغرام، والمستوى الفعلي للتخصيب الذي تعدّه من صميم حقوقها.
وثمة ملف رابع، غير محوري في المفاوضات، يتعلق بقمع الاحتجاجات في إيران، فرغم أن هذه القضية ألحقت ضررًا بالغًا بصورة الجمهورية الإسلامية دوليًا، وأثارتها إدارة ترامب مرارًا، إلا أنها تبقى هامشية في المباحثات، ولا تعدو كونها ورقة ضغط للانتزاع منها تنازلات في ملفات أخرى.
وهذا يكشف عن حقيقة مثيرة للقلق، تتمثل بأن حقوق الإنسان لا تحتل الأولوية الاستراتيجية لا لدى طهران ولا لدى واشنطن حين تكون مصالح جيوسياسية كبرى على المحك.
والمرشد الأعلى علي خامنئي يملك بطبيعة الحال الكلمة الفصل، غير أنه بإسناد إدارة الملف إلى دبلوماسيين تكنوقراط ومفاوضين محنّكين كعلي لاريجاني وعباس عراقجي، في كنف حكومة الرئيس بزشكيان، يبدو أنه يسعى إلى الحدّ من مخاطر التصعيد العسكري.
وقد أسهمت الضغوط الأمريكية بلا شك في تسريع وتيرة المحادثات. ومن المرجح أن إيران، انطلاقًا من منطق "العقل الدولتي الشيعي"، ستقبل بعض التنازلات التقنية، كالسماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية باستئناف عمليات التفتيش الميداني المعمّق.
بيد أنه بصرف النظر عن مضمون أي اتفاق محتمل، تجدر الإشارة إلى أن مثل هذا التسوية ستؤدي قبل كل شيء وظيفة سياسية ورمزية لكلا الطرفين. فمن الجانب الإيراني، سيُقدَّم الاتفاق باعتباره نجاحًا دبلوماسيًا واعترافًا بحق إيران في البرنامج النووي السلمي، لحفظ ماء وجه النظام وطمأنة التيارات المحافظة.
ومن الجانب الأمريكي، سيسعى دونالد ترامب إلى تصويره دليلًا على قدرته في فرض موازين قوى مواتية للولايات المتحدة، ومؤشرًا على خضوع إيران، في مقابلة ضمنية مع اتفاقيات إدارة سلفه باراك أوباما.
إن الوضع الراهن يختلف جوهريًا عن سنوات الجمهورية الإسلامية الأولى. ففي تلك الحقبة، أسهمت الحرب العراقية الإيرانية في تعزيز النظام ومكّنته من إحكام قبضته على المجتمع بمزج القومية وخطاب الدفاع عن الأرض وتوظيف ثقافة الاستشهاد الشيعي في مواجهة العدو الخارجي.
أما اليوم، فالسياق تحوّل تحولًا عميقًا. موجات الاحتجاج المتعاقبة خلّفت ندوبًا لا تنمحي ورسّخت تدريجيًا القطيعة بين شريحة واسعة من الإيرانيين والسلطة القائمة. والخطاب الثوري التضحوي الذي كان فاعلًا في ثمانينيات القرن الماضي لم يعد ينتج الأثر ذاته.
في حال اندلاع حرب، ستسعى الجمهورية الإسلامية بلا شك إلى استثارة المشاعر الوطنية، مصوّرةً العدو الخارجي تهديدًا وجوديًا يستوجب توحّد الأمة. غير أن النظام هذه المرة سيضطر للاتكاء بدرجة رئيسة على أجهزته العسكرية والأمنية، وعلى الولاءات التي رسّخها وابتاعها على مدى السنين، لا على التفاف شعبي واسع أو انخراط مدني طوعي.
يُضاف إلى ذلك أن شريحة من الرأي العام، مثقَلة بوطأة القمع الشرس خلال السنوات الماضية وبإحساس العجز أمام أجهزة الأمن، باتت تنظر بعين إيجابية إلى فكرة تدخل خارجي يستهدف قيادة النظام. وهذه الظاهرة تُترجم يأسًا سياسيًا أكثر مما تُعبّر عن قناعة استراتيجية.
وفي سياق حرب الـ12 يومًا مع إسرائيل، رغم الخسائر المدنية والغارات التي طالت مناطق سكنية، لم تنضوِ الجماهير تلقائيًا تحت لواء النظام. فقسم من الإيرانيين الذين أتاحت لهم إمكاناتهم ذلك آثروا مغادرة المدن الكبرى حيث كثّف التهديد بالقصف وحالة التأهب الأمني، منتهجين استراتيجيات الحماية الفردية بدلًا من الانسياق في ردّ فعل وحدة وطنية.
بادئ ذي بدء، كما أشرتُ، لا بد من تفكيك التمييز المصطنع والحاد بين الحرب الداخلية والخارجية في حالة الجمهورية الإسلامية. فمنذ تأسيسها، دأب النظام على استحضار شبح التهديد الخارجي لتبرير التشديد الأمني في الداخل. وهكذا، فإن الأثر الأول لأي نزاع مكشوف لن يكون عسكريًا فحسب، بل سيكون أيضا سياسيًا وداخليًا.
فالحرب ستمنح السلطة ذريعة لتصعيد القمع: تضاعف حملات الاعتقال، وإعدام من يُنعتون بـ"عملاء الخارج"، وتعزيز المراقبة الأمنية، وزيادة تقليص الحريات العامة. بمعنى آخر، الحرب الخارجية مرشّحة للتحول فورًا إلى حرب مستعرة ضد المجتمع الإيراني نفسه.
وثمة خيار آخر يتمثل في تحريك الحلفاء الإقليميين: حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، والفصائل العراقية ككتائب حزب الله. بيد أن تقلّص الإمكانات العسكرية الإيرانية وانقطاع الممرات اللوجستية عبر سوريا يُضيّقان قدرة النظام على إمداد الفاعلين بصورة مستدامة في حرب طويلة الأمد. قدراتهم الإيذائية قائمة، لكنها ستكون مقيّدة في الزمن على الأرجح.
أما افتراض امتداد المواجهة مباشرةً إلى أوروبا أو الولايات المتحدة عبر ضربات إيرانية بعيدة المدى، فيبدو مستبعدًا، إلا إذا انخرطت روسيا أو الصين عسكريًا بصورة مباشرة إلى جانب إيران. والحال أن أولويات موسكو وبكين الاستراتيجية تبدو في مكان آخر: أوكرانيا في الحالة الأولى، وتايوان في الثانية.
حتى الآن، بدا الحفاظ على الوضع القائم في صالح كثير من أطراف المنطقة بدرجات متفاوتة. فتركيا ودول الخليج حاولت على سبيل المثال ثنيَ الولايات المتحدة عن الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران.
بل إن إسرائيل نفسها، خلف المواقف العلنية، لم تكن بالضرورة حريصة على هجوم أمريكي واسع النطاق ضد طهران. ذلك أن التهديد الإيراني يُمثّل منذ أمد طويل رصيدًا سياسيًا استراتيجيًا؛ فاستحضار شبح الخطر الوجودي قد يكون أكثر جدوى على الصعيدين الداخلي والخارجي من مواجهة شاملة لا يمكن التنبؤ بتبعاتها. فالعدو السياسي قابل للاستثمار ما بقي محاصَرًا ومضبوطًا؛ وزواله قد يُعيد رسم خارطة المنطقة بأوجه مجهولة.
يُضاف إلى ذلك أن وجود إيران وحزب الله يوفّر لإسرائيل حجة أمنية دائمة لتسويغ عملياتها العسكرية في فلسطين وللحفاظ على ضغط متواصل على لبنان. وفي هذا المنطق، يبدو التوازن الصراعي المضبوط أجدى نفعًا من الحرب المفتوحة.
وإدارة التهديد الإيراني من مسافة آمنة تُفيد كذلك "صناعة المخاطر"؛ إذ يبقى الرابح الأكبر حقيقيًا شركاتِ التسليح، وأن الإبقاء على الوضع القائم يتقاطع أيضًا مع مصالح دول الخليج وتركيا، التي تتخوّف جميعها من الاضطراب الإقليمي وموجات النزوح الإنساني جرّاء حرب محتملة، وكذلك من القدرة الإيذائية للحرس الثوري (ولا سيما إغلاق مضيق هرمز)، ومن فتح ملف كردي مُعقَّد، ناهيك عن خطر العدوى الثورية على المستوى الإقليمي إذا انهار النظام.
الغارات الجوية، مهما بلغت ضراوتها، لا تُسقط أنظمة. والتاريخ الحديث يُثبت أن التدخل البري الواسع وحده، كالذي أفضى إلى سقوط صدام حسين، هو القادر على إحداث انهيار دولتي شامل. وحرب الاستنزاف بأكلافها البشرية والمالية الباهظة تتنافى مع مناخ العزلانية السائد في وسط "اجعل أمريكا عظيمة من جديد".
وما قد يُضعف النظام في أعقاب ضربات أمريكية هو ظهور شقوق في صفوف الحرس الثوري والجيش النظامي. بيد أن هذه القوى أبدت حتى الآن تماسكًا نسبيًا ولم تبدُ أي بوادر تصدع داخلي حقيقي.
ومن الوهم، كما يزعم بعض الأوساط الملكية الإيرانية في المهجر أو ضمن تيار "اجعل إيران عظيمة من جديد"، الاعتقاد بأن ضربات أمريكية أو إسرائيلية ستُحرّك ديناميكية شعبية نحو إسقاط النظام.
الحرب الخارجية لا تُنتج آليًا انتفاضة ديمقراطية؛ بل تُضيف ضحايا فوق ضحايا الجمهورية الإسلامية وتُلقي بالمجتمع في دوامة الخوف والبقاء. والمجتمع الذي تمطره القنابل ينكمش على نفسه ولا يتحرك.
وفي الفرضية، الأقل احتمالً، لسقوط النظام إثر حرب أمريكية، فمستقبل الدولة الإيرانية لن يكون أكثر حرية بالضرورة ولا أكثر إشراقًا. دولة تابعة، تُحدث انتقالها من القمة إلى القاعدة تحت وصاية أمريكية، لن تكون بالضرورة مستجيبة للمطالب الديمقراطية والاجتماعية للإيرانيين، بل قد تُعيد إنتاج آليات هيمنة وقمع في أشكال جديدة.