يثير منطق "الدولة العقائدية" في إيران تساؤلات جوهرية حول مدى تحصين النظام السياسي في حال تعرض المرشد الأعلى للاستهداف، في ظل تهديدات لوّحت بها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باتخاذ خطوات تجاه طهران.
لم تمنح حلقات الحكم وتوزيع الصلاحيات والمسؤوليات داخل السلطة الإيرانية – وفق تقديرات خبراء – التحصين الكافي لاستمرارية النظام بسلاسة في حال غياب المرشد الأعلى.
ويستند هذا الطرح إلى طبيعة النظام القائم على مبدأ "الولي الفقيه"، الذي يمنح المرشد سلطة القرار النهائي دون مراجعة، مما أضعف استقلالية بقية مؤسسات الدولة، وقلّص قدرتها على الاضطلاع بأدوارها منفردة إذا ما تعرض رأس النظام لصدمة مفاجئة.
ويُنظر إلى تمركز العقيدة والحكم في يد المرشد باعتباره نقطة قوة للنظام من جهة، لكنه في الوقت ذاته يمثل نقطة هشاشة بنيوية، إذ إن المساس به قد يؤدي إلى اهتزاز عمودي في بنية السلطة.
ومن أبرز تجليات ذلك أن رئيس الجمهورية، رغم انتخابه بالاقتراع الشعبي المباشر، لا يمارس صلاحياته فعليًا إلا بعد مصادقة المرشد الأعلى على فوزه.
وفي هذا السياق، أفادت مصادر إيرانية بأن المرشد الأعلى علي خامنئي كلّف علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، بمهمة ضمان "صمود النظام" في مواجهة أي حرب محتملة أو محاولات اغتيال قد تستهدف قياداته.
وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن هذا التكليف تم في أوائل يناير، بالتزامن مع احتجاجات واسعة شهدتها البلاد وتهديدات أمريكية بشن ضربات.
ويؤكد الباحث في مركز ستاندرد للدراسات والأبحاث، الدكتور فرهاد دزه يي، أن المادة 57 من الدستور الإيراني تنص على أن المرشد هو أعلى سلطة في البلاد، ويتمتع بولاية الفقيه المطلقة، بما في ذلك رسم السياسات العامة وقيادة القوات المسلحة.
كما يملك المرشد صلاحية عزل مسؤولين في مفاصل حساسة، مثل رئيس مجلس القضاء الأعلى، وقادة الحرس الثوري، وأعضاء مجلس صيانة الدستور، إضافة إلى تعيين ستة فقهاء من أصل 12 عضوًا في المجلس.
وبحسب دزه يي، فإن بنية النظام تضم ما بين 5 إلى 7 حلقات تمتد من المرشد إلى مجلس صيانة الدستور، مرورًا بمصلحة تشخيص النظام، والحرس الثوري، والباسيج، وصولًا إلى مجلس القضاء الأعلى. غير أن تركّز الصلاحيات في يد المرشد يجعل أي ضربة مباشرة له ذات تأثير بالغ، قد تصل – وفق تقديره – إلى حد الانهيار الكبير للنظام.
ويضيف أن انتخاب رئيس الجمهورية لا يصبح نافذًا إلا بعد موافقة المرشد، ما يعني أن النظام يفتقر إلى آليات تحصين فعالة في حال استهداف خامنئي، خصوصًا إذا ترافق ذلك مع ضربات أمريكية محتملة.
كما يرى أن حالة الاحتقان الداخلي قد تجعل استهداف المرشد نقطة تحول حاسمة لصالح القوى المناهضة للنظام، وربما تفتح الباب لتحركات اجتماعية أو من قبل أقليات.
من جانبه، يرى الباحث في الشؤون الإيرانية الدكتور محمد المذحجي أن "عقائدية الدولة" أفضت إلى انقسام واضح داخل السلطة بشأن كيفية التعامل مع الولايات المتحدة والصين.
وبينما يفضّل الحرس الثوري إبرام صفقة شاملة مع بكين والانخراط في مشروع "طريق الحرير الجديد"، تتطلع الحكومة – وبموافقة ضمنية من خامنئي – إلى التعامل مع إدارة ترامب لتفادي حرب محتملة.
ويشير المذحجي إلى أن تصريحات خامنئي الرافضة للتفاوض مع واشنطن تُقرأ في سياق التمويه السياسي، في حين تجري الحكومة، بضوء أخضر من المرشد، مفاوضات غير معلنة بهدف التوصل إلى صفقة. إلا أن هذا التباين أضعف قدرة طهران على حسم خيارها، سواء باتجاه الصين أو الولايات المتحدة، ما انعكس تراجعًا في مكانة القائد أو الولي الفقيه.
ويضيف أن إيران تشهد تقليصًا في الدور القيادي بفعل الطابع العقائدي للحكم، إلى حد أن شخصيات محسوبة على النظام باتت توجه انتقادات حادة للمرشد، مستشهدًا بما يطرحه محمود أحمدي نجاد، إلى جانب مواقف بعض الراديكاليين المرتبطين بالحرس الثوري.
ويختم المذحجي بالقول إن الانقسام بات السمة الأبرز داخل النظام الإيراني، وإن سياسة ترامب أسهمت في تعميقه، إذ تشير تقديرات إلى أن أكثر من 125 نائبًا إيرانيًا من خلفيات عسكرية في الحرس الثوري يسعون إلى إقالة الرئيس.
كما أن تعدد المرشحين لخلافة خامنئي، وفي مقدمتهم حسن روحاني ومجتبي خامنئي، يعكس احتدام الصراع على القيادة، وهو ما أضعف – بدوره – المكانة العقائدية للمرشد الأعلى داخل بنية النظام.