وفقاً لتحليل نشرته وكالة "بلومبرغ"، تتزايد احتمالات اندلاع حرب أمريكية جديدة مع إيران، وقد تتجاوز هذه المرة حدود الضربات الجوية المحدودة أو الردود المحسوبة، لتصبح صراعاً مفتوحاً وممتداً دون نهاية واضحة أو أهداف سهلة التحقيق لأي من الجانبين.
يصف التحليل الذي نشرته الوكالة الأمريكية، أمس السبت، هذا السيناريو بأنه "مقامرة كبرى" محفوفة بالمخاطر العالية لكلا البلدين.
ويشير إلى أن الرئيس دونالد ترامب ربما لم يكن ليختار هذا المسار لو بدأ من جديد، وهو ما يفسر التقارير التي تتحدث عن تفكيره في تنفيذ ضربة محدودة تهدف إلى دفع إيران للعودة إلى المفاوضات مع تقديم تنازلات.
ومع ذلك، يجد ترامب نفسه محاصراً في موقف صعب بدأ يتشكل منذ ولايته الأولى عندما ألغى الاتفاق النووي لعام 2015 مع طهران، مما رفع سقف المطالب الأمريكية إلى مستوى يفوق ما تحتاجه واشنطن فعلياً أو ما كانت طهران مستعدة لقبوله.
مع وجود مجموعتي حاملات طائرات أمريكية قبالة سواحل عُمان وكل منهما تكلف حوالي 8 ملايين دولار يومياً لتشغيلها ترجح الوكالة أن يستخدم ترامب هذه القوة العسكرية لتجنب الظهور بمظهر المتردد، وربما قبل انتهاء المهلة التي حددها (10 إلى 14 يوماً).
يؤكد التحليل أن الخروج الوحيد من هذا التصعيد يتطلب تراجعاً سريعاً من الجانب الإيراني، لكن المرشد الأعلى علي خامنئي قضى عقوداً في تبني موقف التحدي المعادي لأمريكا، وقد يرى في الحرب فرصة أكبر لبقاء نظامه مقارنة بطلبات نزع السلاح التي يبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل تطرحانها.
وتوضح "بلومبرغ" أن هذه الحرب يختارها الطرفان رغم عدم خدمتها لمصالح أي منهما؛ ففي الولايات المتحدة، أظهر استطلاع لجامعة كوينيبياك في يناير أن 70% من الأمريكيين لا يريدون الحرب مقابل 18% فقط، ونسبة مشابهة تطالب باستشارة الكونغرس أولاً.
أما في إيران، فستكون الخسائر كبيرة حتى لو اعتبر خامنئي والحرس الثوري الأمر مقاومة وشهادة.
بالنسبة لإسرائيل، يرى التحليل حجة أقوى للمخاطرة بإزالة قيادة طهران التي تعمل على تدمير الدولة اليهودية، رغم الغموض الشديد لما سيأتي بعدها والذي قد يجعل القرار متهوراً.
كما أن الإيرانيين الذين قُتلوا بالآلاف الشهر الماضي احتجاجاً على فساد النظام وفشله واستبداده الأيديولوجي قد يرون في هجوم أمريكي فرصة لإسقاط خامنئي.
يُعزي كاتب التحليل جزءاً من "التهور" الأمريكي إلى "الغرور" الناتج عن النجاحات السابقة، مثل التعامل الإسرائيلي السريع مع ميليشيا حزب الله في لبنان والتهديد الصاروخي الإيراني، والمشاركة الأمريكية في الحرب القصيرة على إيران في يونيو الماضي حيث نفذت القاذفة الشبحية B2 عمليتها بإتقان، كما كرر ترامب.
وكذلك عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو دون رد فعل مؤثر أو ارتفاع كبير في أسعار النفط.
لكن "بلومبرغ" تحذر من أن الأداء السابق لا يضمن المستقبل، سواء في أسواق الطاقة أو الحروب والسياسة.
ففي العام الماضي، اقتصرت الضربات الإسرائيلية على 12 يوماً والأمريكية على عدد محدود من الطلعات ضد ثلاث منشآت نووية، ومع ذلك سقط 28 قتيلاً إسرائيلياً و1190 إيرانياً، نصفهم تقريباً مدنيون وفق منظمة "الناشطون في حقوق الإنسان في إيران".
ومع تجمع أكبر قوة استكشافية أمريكية منذ غزو العراق 2003، يوصي التحليل البيت الأبيض باتخاذ خطوات قبل أي عمل عسكري، أبرزها شرح واضح للأمريكيين والكونغرس والإيرانيين والعالم عن سبب اعتبار الهجوم الذي يفتقر إلى غطاء قانوني دولي واضح ضرورياً استراتيجياً ومبرراً أخلاقياً.
ويستذكر مثال حملة الناتو ضد صربيا عام 1999 لمنع التطهير العرقي في كوسوفو، حيث أوضح بيل كلينتون الأهداف وحصل على دعم الكونغرس.
ويطرح التحليل تساؤلات حاسمة: هل تسعى واشنطن لفرض صفقة أفضل بشأن النووي والصواريخ الباليستية؟ أم تغيير النظام؟ أم منع مذابح المتظاهرين؟ أم تدمير البرامج النووية والصاروخية؟
غياب الوضوح هذا حسب "بلومبرغ" يثير الشكوك داخلياً وبين الحلفاء الإقليميين. كما قد يساعد تحديد الأهداف بوضوح معارضي خامنئي داخل إيران على التحضير والرد، وإذا كان الهدف تغيير النظام، ينبغي تقتصر الضربات على القوات الأمنية والقيادات بدقة، مع ترك مجال للمتظاهرين للخروج دون خوف من القمع أو القصف.
وقد يدفع الوضوح نفسه خامنئي أو بدائله إلى التفكير في اتفاق لتجنب الحرب، وتفادي الفوضى في دولة متنوعة يبلغ عدد سكانها 92 مليون نسمة.