في خضم التصعيد الأمريكي الإيراني، برز تحليل اتفقت في فحواه مراكز دراسات عالمية، حول السيناريوهات المتوقعة بين طهران وواشنطن حال قرر الرئيس دونالد ترامب مهاجمة النظام الإيراني وسلاحه الباليستي وقدراته النووية.
هذه المراكز، أشارت إلى أمر واحد مؤكد في الحرب الأمريكية المتوقعة على إيران وهو أنه إذا وقعت، فلن تشمل احتلالاً للبلاد.
وتقول إن واشنطن أرسلت حاملات طائرات ومعدات دعم إلى الخليج، وليس قوات برية استكشافية للغزو، مبينة أنه لا يوجد دليل واحد علني على أي تخطيط لوجود طويل الأمد في إيران.
وبينت أنه إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب متسقاً في أمر واحد بالمنطقة، فهو رفضه للاحتلال على الطراز العراقي، الذي وصفه بـ"الخطأ الكبير السمين".
وقال ترامب هذا التعبير خلال مناظرة جمهورية في 13 فبراير 2016 في ساوث كارولاينا، أثناء هجومه على جيب بوش "شقيق الرئيس السابق جورج دبليو بوش" وعائلة بوش بشأن قرار غزو العراق.
وأضاف ترامب حينها خلال المناظرة: "من الواضح أن حرب العراق كانت خطأً كبيراً سميناً.. فادحاً".
هذا التصريح كان جزءاً من حملته الانتخابية الأولى في 2016، حيث انتقد ترامب بشدة قرار جورج دبليو بوش واتهمه بـ"الكذب" حول أسلحة الدمار الشامل.
لم يستخدم ترامب هذا التعبير نفسه في سياقات لاحقة بشكل متكرر، لكنه ظل ينتقد حرب العراق كخطأ استراتيجي كبير.
كما في اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير، وقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني عام 2020، وضربة إسرائيل لرأس ميليشيا حزب الله حسن نصر الله عام 2024، من المرجح أن تستهدف الولايات المتحدة القيادة العليا في إيران إلى جانب أجهزة الأمن التابعة للنظام، ثم تترك الأمور تسير كما تشاء.
إيران، بالطبع، ترى ما نراه، ولن تُفاجأ، حيث تتذكر طهران جيداً كيف استخدمت الولايات المتحدة المفاوضات المقررة كستار دخان لإغرائها بخفض حذرها قبل هجوم مفاجئ في يونيو الماضي، ولن تقع في الفخ نفسه مرة أخرى.
وعززت مواقعها استعداداً لذلك، حيث أعلنت طهران أن قواتها الأمنية في حالة تعبئة كاملة بعد قمع الاحتجاجات الأخيرة، وقضت أشهراً في اقتلاع أصول استخباراتية إسرائيلية مشتبه بها.
ويقول تقرير لمجلة "فورين بوليسي"، اليوم الأحد، إن نجاح إسرائيل اللافت في استهداف مسؤولين إيرانيين كبار في يونيو يدل على اختراق الاستخبارات الإيرانية، مضيفاً كما أنه "يشير إلى أن المرشد الأعلى علي خامنئي وقادته الكبار لا ينبغي أن يناموا مطمئنين".
وأضاف "قد يُقتلون بالفعل، لكن ليس لنقص الاستعداد. سواء عبر صفقة أو حرب، يبدو أن هدف ترامب هو إنهاء الصراع الأمريكي الإيراني الذي دام عقوداً بشكل حاسم. لكن الانتصارات الحاسمة غالباً ما تكون بعيدة المنال".
ووفق التقرير فإنه إذا حقق القصف نجاحاً دون عواقب كارثية فورية، فسيعلن ترامب النصر وينتقل إلى الشأن التالي.
لكن الشعب الإيراني والشرق الأوسط ككل، بحسب خبراء، سيظلان يعيشان مع الدمار لسنوات، فإن حتى أكثر حملات القصف تدميراً للنظام الإيراني لن تكون انتصاراً دائماً أكثر من إعلان الرئيس السابق جورج دبليو بوش "المهمة أُنجزت" الشهير في العراق.
وتشير التقارير إلى أن حملة قصف لا تقضي على قيادة النظام ستبدو على الأرجح إعادة للحرب الإسرائيلية الـ12 يوماً مع إيران الصيف الماضي، تدمر بعض المنشآت النووية وتضعف قدرة النظام القمعية مع قتل عدد من القادة.
التقييم الاستخباراتي الراسخ منذ زمن طويل بأن حملة قصف ستؤخر البرنامج النووي الإيراني بضع سنوات على الأكثر كان عاملاً رئيسياً في كبح جماح حمى الحرب مع إيران سابقاً.
لا سبب يدعو للاعتقاد بأن الأمر سيكون مختلفاً هذه المرة. يبدو قادة إيران يتوقعون مثل هذا الهجوم ويعدون لاحتواء عواقبه.
قد يثبت مثل هذا الهجوم أنه مفيد للنظام. بقاء القيادة سيمنع على الأرجح موجة أخرى من الاحتجاجات المناهضة للنظام، رغم أن دوافع الاستياء الأساسية تجعل من غير المحتمل أن تكون هذه الهدنة طويلة الأمد.
يمكن لإيران أن تتوقع عقوبات غربية إضافية، ستزيد من معاناة المجتمع وتضعف قدرة النظام القمعية، لكنها لن تمنع سياساته الإقليمية أو إعادة بناء برامجه النووية والصاروخية.
بمعنى آخر، الدمار والمخاطر ستعيد ضبط الوضع القائم منذ زمن طويل، الذي ازدهر فيه الحرس الثوري وحلفاؤه على حساب الجميع.
لكن افترض أن الولايات المتحدة تقتل خامنئي فعلاً وتتسبب في سقوط النظام مع رفضها لعب دور في الاحتلال ما بعد تغيير النظام.
كيف ستبدو إيران فعلياً وكيف ستؤثر على المنطقة؟ معظم التحليلات تنتهي عند انهيار النظام، بافتراض أن أي شيء أفضل من الجمهورية الإسلامية أو أن الكارثة ستبتلع الكل، لكن النتيجة الأكثر احتمالاً هي في الوسط الفوضوي.
هناك أربعة سيناريوهات محتملة:
هذا السيناريو هو ما يفضله كثير من الإيرانيين، لكنه أقل السيناريوهات احتمالاً في تغيير نظام يُثار بضربات جوية فقط.
ستترك إيران في فراغ مؤسسي، ودمار اقتصادي وبنيوي، وبدون مساعدة خارجية ذات معنى.
وفق تقرير المجلة، فترامب لا يهتم بالديمقراطية، ودليل ذلك فنزويلا، كما أنه ليس لديه خطة "اليوم التالي" لإيران، ومعظم موظفي الحكومة الأمريكية الذين كان بإمكانهم صياغة مثل هذه الخطة تم تسريحهم منذ زمن.
وهنا يضيف تقرير مجلة "جون أفريك" قائلاً إن بعض الأمريكيين والإسرائيليين قد يفضلون استعادة رضا بهلوي، لكن وضعه على العرش وحمايته سيحتاج على الأرجح إلى مساعدة عسكرية خارجية كبيرة.
ويضيف أنه لا أحد يريد تقديم تلك المساعدة، وقلة قليلة من الإيرانيين داخل إيران (على عكس الشتات) مهتمون.
حلفاء بهلوي الإسرائيليون واللوبي الأمريكي الصاخب سيضغطون لإعطائه فرصة، لكن نسخة طهران من "المنطقة الخضراء" في بغداد لن تكون شعبية وسط الدمار في إيران ما بعد الحرب.
فشل الدولة وانهيارها إلى حرب أهلية أكثر احتمالاً من الديمقراطية أو استعادة الملكية.
هناك تباين سياسي مهم بين اللاعبين الخارجيين في هذا السؤال، حيث إن إسرائيل قد تكون راضية تماماً بإيران مقسمة وضعيفة ومجزأة تستهلكها الحرب الأهلية والانشقاقات العرقية. لكن الولايات المتحدة لا تبدو مشاركة لهذا الطموح، وفق ما أورده تقرير المجلة.
النتيجة الأكثر احتمالاً لتغيير ناجح في النظام هي استيلاء الحرس الثوري، الذي سيكون أفضل تسليحاً وأقوى قوة في بيئة انتقالية فوضوية. نظام عسكري إيراني سيبقى معاقباً وغير مستقر، وقد يستند إلى الغضب القومي ضد الهجوم الأمريكي لتوطيد سيطرته.
ونظام يقوده الحرس الثوري قد يكون له عواقب غير مقصودة، فالتهديد الذي تشكله طهران، وفق قول التقرير، هو ما يجمع النظام الأمريكي في الشرق الأوسط.
وهذا التهديد وفق خبراء قابل للإدارة لكنه مهدد بما يكفي لتبرير الحاجة إلى علاقات قوية مع الولايات المتحدة والتعاون مع إسرائيل، حيث إن نظاماً إيرانياً قومياً وكفؤاً لكنه غير ثوري قد لا يكون مهدداً بما يكفي للحفاظ على هذا المنطق.