رأى الخبراء أن حلف شمال الأطلسي "الناتو" لا يزال يشكّل العائق الرئيس أمام أي طموحات روسية للتوسع العسكري غربًا، إلا أن موسكو تراقب عن كثب ما يظهر داخل الحلف من خلافات، خاصة المرتبطة بتقاسم الأعباء الدفاعية ومستوى الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا.
وأضافوا لـ"إرم نيوز"، أن هذه التصدعات لا تعني بالضرورة اقتراب انهيار "الناتو"، لكنها تفتح مجالًا لروسيا لاختبار قدرة الحلف على الردع السياسي والعسكري، دون الذهاب إلى مواجهة مباشرة.
وأشار الخبراء إلى أن التوتر القائم يعود في جزء كبير منه إلى توسع "الناتو" وتحركاته العسكرية قرب الحدود الروسية، ما يدفع موسكو إلى تبني خطاب دفاعي يقوم على حماية أمنها الإستراتيجي.
وكشفت تقديرات استخباراتية أوروبية أن روسيا لا تمتلك، حاليًا، الموارد الكافية لشن هجوم مباشر على دولة عضو في "الناتو"، وفي المقابل تُعيد بناء قوتها العسكرية على نحو يوحي بتفكير طويل الأمد يتجاوز ساحة أوكرانيا.
وأكد رئيس الاستخبارات الخارجية الإستونية كاوبو روزين، أن الكرملين يعمل على إنشاء وحدات جديدة وتعزيز حضوره العسكري قرب حدود "الناتو" بمعدلات قد تصل إلى 3 أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب، مع قناعة راسخة لدى الرئيس فلاديمير بوتين بإمكانية قلب موازين الصراع سياسيًا وعسكريًا في مرحلة لاحقة.
واستبعد التقرير السنوي للاستخبارات الإستونية أي هجوم روسي مباشر خلال العام الجاري، ما يعزز فرضية "الانتظار الإستراتيجي" بدل المغامرة المفتوحة.
في المقابل، كشفت محاكاة عسكرية أجرتها صحيفة "دي فيلت" الألمانية عن نقاط ضعف مقلقة داخل "الناتو"، بعدما افترضت سيناريو سيطرة قوة روسية محدودة على ليتوانيا خلال أيام، دون تدخل أمريكي مباشر، وبالاعتماد على هجوم هجين يستغل الانقسامات السياسية داخل الحلف.
وهذه الثغرات لا تنفصل عن أزمة أعمق في وحدة "الناتو"، تفاقمت مع توترات غير مسبوقة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، خاصة بعد أزمة غرينلاند.
وكشفت تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، بوضوح رهان موسكو على هذا الاضطراب، معتبرًا أنه يكشف هشاشة غير متوقعة في تحالف طالما قُدّم ككتلة واحدة.
وتعتمد إستراتيجية موسكو على تصعيد الحرب الهجينة بدل المواجهة المباشرة، تخريب، ضغط سياسي، واستفزازات دون العتبة العسكرية بهدف اختبار مدى التزام الحلف بالمادة الخامسة.
وتبرز منطقة بحر البلطيق، لا سيما فجوة سوفالكي، كنقطة اشتعال محتملة، حيث تمتلك روسيا أدوات كافية لإرباك الناتو دون الذهاب إلى حرب شاملة.
ومع ارتفاع وتيرة الاحتكاكات العسكرية، يحذّر خبراء من أن الخطر الأكبر قد لا يكون قرار روسي محسوب بل تصعيد غير مقصود نتيجة حادث أو سوء تقدير، قد يجر الطرفين إلى مواجهة لم تكن مخططة.
وأكد المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوروبية كامل حواش، أن "الناتو" لا يزال يشكل العائق الأكبر أمام أي طموحات روسية للتوسع باتجاه الغرب، مؤكدًا أن موسكو تنظر إلى الناتو بوصفه الحاجز الإستراتيجي الذي يمنعها من استعادة نطاق نفوذ يشبه ما كان قائمًا خلال الحقبة السوفيتية.
وقال لـ"إرم نيوز"، إن روسيا تراقب عن كثب مستوى التماسك داخل الحلف، وتضع في حساباتها قدرة الناتو على الردع قبل اتخاذ أي خطوة عسكرية محتملة، مبينًا أن أي مؤشرات ضعف أو انقسام داخل الحلف تمنح موسكو مساحة لإعادة تقييم تحركاتها، خاصة في ظل الخلافات المتكررة حول تقاسم الأعباء الدفاعية.
وأضاف الخبير حواش، أن الضغوط الأمريكية المستمرة، لا سيما من قبل الرئيس دونالد ترامب، لرفع نسب الإنفاق العسكري، كشفت عن تباينات حقيقية بين دول الحلف، حيث لا تزال بعض العواصم الأوروبية متحفظة على الالتزام بالمطالب الأمريكية بالشكل الكامل.
ولفت إلى أن هذه الخلافات، رغم حدتها، لا تعني غياب الخطوط الحمراء داخل الناتو، موضحًا أن سيادة الدول الأعضاء تظل نقطة إجماع لا تقبل المساومة، كما أكد أن أي استهداف مباشر لدولة عضو سيقابل برد حاسم، بغض النظر عن الخلافات السياسية أو المالية داخل الحلف.
وبيّن الخبير حواش أن موسكو، في المرحلة الراهنة، تركز على تثبيت مكاسبها في أوكرانيا، مع الاستمرار في اختبار صلابة الناتو سياسيًا وعسكريًا، لكنها لا تقدم على مغامرة أوسع إلا إذا شعرت بأن الحلف بات عاجزًا عن الردع أو مهددًا بتفكك فعلي.
من جانبه، أكد المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية بسام البني، أن الحديث عن نية روسية لمغامرة عسكرية ضد "الناتو" يندرج في إطار الخطاب الغربي التعبوي، وليس انعكاسًا لسياسات موسكو الفعلية.
وأشار لـ"إرم نيوز"، إلى أن روسيا لا تسعى إلى مواجهة مع "الناتو"، بل ترى نفسها في موقع الدفاع أمام تمدد الحلف العسكري المستمر على حدودها.
وأضاف المحلل البني أن الخطاب السائد داخل "الناتو" يعتمد على تصوير روسيا كتهديد دائم، بينما تتجاهل هذه الرواية، بحسب تعبيره، الأسباب الحقيقية للتوتر، وفي مقدمتها التحركات العسكرية الغربية بالقرب من المجال الحيوي الروسي.
وأشار إلى أن موسكو تطرح مفهوم "الأمن الاستراتيجي غير القابل للتجزئة"، الذي يقوم على مبدأ أن أمن أي طرف لا يجب أن يتحقق على حساب تهديد أمن طرف آخر.
وفيما يتعلق بما يوصف بتصدعات داخل "الناتو"، رأى المحلل البني أن هذه الخلافات طبيعية في ظل السياسات الأمريكية الحالية، معتبرًا أن واشنطن، بوصفها القوة القائدة للحلف، تتبنى نهج تصعيدي يثير القلق حتى داخل صفوف حلفائها.
واستشهد بسام البني بعدد من السياسات الأمريكية المثيرة للجدل على الساحة الدولية، التي تعكس نزعة للمغامرة أكثر منها حرصًا على الاستقرار.
وأكد أن موسكو تراقب ما يجري داخل "الناتو"، لكنها لا تبني إستراتيجيتها على استغلال الانقسامات أو الدفع نحو صدام مباشر، مشددًا على أن أي مواجهة مفتوحة مع الحلف لا تخدم المصالح الروسية.
وشدد على أن موسكو تركز في المرحلة الحالية على حماية أمنها القومي والحفاظ على توازن استراتيجي دولي، معتبرًا أن التصعيد الحقيقي يأتي من سياسات "الناتو"، لا من نوايا روسية هجومية.