في خطوة استراتيجية وصفها محللون بـ"الشلل الدبلوماسي الناعم"، بدأ الاتحاد الأوروبي منذ 25 يناير/ كانون الثاني الماضي تطبيق قيود مشددة على تحركات الدبلوماسيين الروس داخل منطقة "شنغن".
وتلزم القواعد الجديدة الدبلوماسيين بإخطار الدول المضيفة وبلدان العبور قبل 24 ساعة من أي رحلة، مع اشتراط الحصول على تراخيص مسبقة في حالات معينة.
وأوضحت بروكسل أن هذه الإجراءات تهدف إلى تقويض أنشطة التجسس ومنع نشر المعلومات المضللة، مؤكدة أنها صُممت بعناية لتجنب انتهاك "اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (1961)"؛ كونها لا تقيد حركة الدبلوماسيين داخل حدود الدولة التي يشغلون فيها مهامهم الرسمية، بل تستهدف تنقلاتهم العابرة للحدود الأوروبية.
وكشفت موسكو أن القيود الأوروبية الأخيرة تمثل خرقًا صريحًا لاتفاقية فيينا، حيث حذر السفير الروسي في بلجيكا، دينيس غونتشار، من أن هذه الإجراءات ستعوق إيصال البريد الدبلوماسي وتجعل التنقل بين الدول الأوروبية أمراً غاية في التعقيد.
ومن جانبه، اعتبر السفير الروسي في فرنسا، أليكسي ميشكوف، أن هذه الخطوات سياسية بامتياز ولا علاقة لها بالأمن، مؤكدًا أنها تستهدف عرقلة عمل السفارات دون أن تمسّ النشاط المدني أو السياحي.
في المقابل، تمسكت بروكسل بموقفها، حيث شدد مسؤولون، ومن بينهم وزير الخارجية التشيكي يان ليبافسكي، على ضرورة تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل وتشديد الرقابة على التأشيرات الدبلوماسية قصيرة الأجل، مع التلويح بسحب الاعتماد الدبلوماسي ممن ينتهك القواعد الجديدة.
وتأتي هذه التطورات في سياق انقسام أوروبي حول استراتيجية التعامل مع روسيا، مع تزايد الدعوات إلى الحوار من جهة، ومواقف صارمة رافضة لأي تساهل من جهة أخرى.
في ظل هذه القيود المتصاعدة، التي تُبقي على الوجود الدبلوماسي الروسي شكليًّا مع تقليص حركته وفاعليته ميدانيًّا، برزت تساؤلات حول توجه الاتحاد الأوروبي نحو نمط جديد من الضغط السياسي، يقوم على تعطيل عمل البعثات دون الذهاب إلى القطيعة الكاملة.
وأكد خبراء في تصريحات لـ"إرم نيوز" أن أوروبا تعتمد سياسة "الشلل الدبلوماسي الناعم" تجاه روسيا، حيث تظل السفارات مفتوحة لكنها مجردة من التأثير، في ظل تراجع التواصل الحكومي وتبادل إجراءات الرد بالمثل، مما يؤدي عملياً إلى خنق العمل الدبلوماسي دون الحاجة لإعلان عقوبات رسمية.
وأوضح الخبراء أن البعثات الروسية تعمل اليوم تحت قيود غير مباشرة تحد من تفاعلاتها السياسية، مما يمنح العواصم الأوروبية أداة ضغط فاعلة دون الاضطرار لإغلاق السفارات نهائيًّا.
وأكد المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوروبية، كارزان حميد، أن أوروبا تواجه تحديًا غير مسبوق في ظل تزايد التوترات الدولية وفقدان البوصلة الدبلوماسية بين الخصوم والحلفاء.
وأشار حميد في حديث لـ"إرم نيوز" إلى أن روسيا تظل التهديد المباشر للأمن القومي الأوروبي، في وقت تتراجع فيه الولايات المتحدة خطوات إلى الوراء، ملوحة بتهديدات سياسية واقتصادية وجغرافية متزامنة، مع تجاهل واضح للمعايير القانونية الدولية.
وأردف، أن الاتحاد الأوروبي لم ينجح بعد في حسم ملف العلاقات مع موسكو، ولا في إعادة واشنطن إلى المظلة الدولية والاتفاقيات الإستراتيجية منذ الحرب العالمية الثانية، وأن الضغوط الاقتصادية في ظل المنافسة الصينية الأمريكية على مفاصل الاقتصاد والتكنولوجية تجعل الاستفادة من الموارد الأوروبية محدودة للغاية.
وأشار المحلل السياسي إلى أن العلاقات الدبلوماسية بين روسيا وأوروبا لم تبلغ حد القطيعة الكاملة رغم حرب أوكرانيا، حيث ظلت الأبواب الخلفية مفتوحة والمصالح الاقتصادية مستمرة ضمن مستوى منخفض يجسد سياسة "لا سلم ولا حرب".
وأوضح حميد، أن بروكسل بدأت تدرك ضرورة استقلال مصالحها وعدم الارتهان للحلفاء لتجنب المواقف المحرجة، خاصة مع تصاعد الضغوط الشعبية والحزبية الداخلية الداعية لإعادة النظر في تمويل الحرب وفتح قنوات اتصال مباشرة مع الكرملين بعيدًا عن الوصاية الأمريكية.
وأكد كارزان حميد أن العقوبات الأوروبية على روسيا لم تحقق الأهداف الاستراتيجية، بل أدت إلى خسارة جزء من الامتيازات الكبرى في مجالات الطاقة والتجارة، وأن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى خطوات جادة وحذرة في آن واحد، للحفاظ على علاقاته التقليدية مع الحلفاء ومواجهة التهديدات الخارجية دون خسارة موقعه الدولي.
من جانبه أوضح د. محمود الأفندي، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية، أن التوتر المتصاعد في العلاقات الدولية ينعكس بوضوح على أداء البعثات الدبلوماسية، معتبرًا أن هذا الجمود نتيجة طبيعية لغياب التواصل المباشر بين الحكومات.
وكشف الأفندي في حديث لـ"إرم نيوز"، أن ندرة اللقاءات على المستويات الرئاسية أو الوزارية أو الأمنية أدت إلى شلل في عمل السفارات، مشيراً إلى أن توقف الحوار الرسمي يعني فعليًّا انهيار فاعلية البعثات. وأوضح أن ما نشهده اليوم بين روسيا ومعظم الدول الأوروبية هو الثمرة المباشرة لقرار الحكومات بالتوقف عن التحدث مع بعضها البعض.
وأشار الأفندي إلى أن إعادة التواصل بين الدول تبدأ دائمًا من أعلى المستويات الحكومية، وأن أي جهود على مستوى البعثات وحدها لا يمكن أن تعيد العلاقات بشكل كامل دون إشراك القنوات الحكومية العليا.
وأكد الأفندي، أن ما تشهده العلاقة بين روسيا والدول الأوروبية لا يعد عقوبات دبلوماسية بمعناها الصارم، بل هو رد فعل طبيعي يتماشى مع الأعراف الدبلوماسية، موضحًا: "إذا طُرد دبلوماسي، يكون الرد بالمثل، وهذا جزء من السياسة الدبلوماسية المعروفة".
وأشار الأفندي إلى أن الدبلوماسية تضعف في أوقات النزاع، ولا يمكنها تحقيق نتائج ملموسة إلا بتدخل مباشر من الحكومات ورؤساء الدول‘ إذ إن العلاقات "التحتية" قد تستمر لكنها تعجز عن إنجاز أهداف استراتيجية دون مشاركة "المستوى الفوقي".
واستشهد بالتجربة الفرنسية التي بدأت إعادة التواصل على مستوى البنية التحتية الدبلوماسية مع روسيا، إلا أنها لم تثمر عن نتائج حقيقية لغياب التنسيق مع الحكومة العليا.
وشدد في ختام حديثه على أن ما يُوصف بـ"الشلل الدبلوماسي" هو في جوهره انعكاس طبيعي لتوتر العلاقات الدولية، ولا يمكن تصنيفه ضمن إطار العقوبات الرسمية.