في تحول استراتيجي بارز يعيد رسم خريطة القيادة داخل حلف شمال الأطلسي "الناتو"، تستعد الولايات المتحدة لتسليم قيادة اثنين من أهم المقرات العسكرية للناتو إلى ضباط أوروبيين.
ويأتي هذا القرار في إطار رؤية الرئيس دونالد ترامب لتحويل الحلف إلى تحالف "تقوده أوروبا"، مما يثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل الدور الأمريكي في الأمن الأوروبي والتداعيات المحتملة لهذا التحول على التوازنات الجيوسياسية العالمية.
القرار أعلنت عنه مصادر دبلوماسية الاثنين، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة ستنقل قيادة مقرين استراتيجيين رئيسين إلى دول أوروبية، في خطوة تعكس ضغوط ترامب على حلفائه الأوروبيين لتحمل مسؤولية أكبر عن دفاعهم الذاتي.
وبموجب الترتيبات الجديدة التي كشفتها لأول مرة الصحيفة الفرنسية "لا ليتر" ومجلة "بوليتيكو"، ستتولى إيطاليا قيادة مقر نابولي الذي يركز على الجناح الجنوبي للحلف، بينما ستتولى بريطانيا قيادة مقر نورفولك في ولاية فيرجينيا الأمريكية المختص بالجناح الشمالي.
في المقابل، ستتولى الولايات المتحدة قيادة القوات البحرية للناتو المتمركزة في المملكة المتحدة، بالإضافة إلى السيطرة على القيادات الجوية والبرية والبحرية المشتركة.
وأكد مسؤول في الناتو أن "الحلفاء اتفقوا على توزيع جديد لمسؤوليات كبار الضباط عبر الهيكل القيادي للناتو، حيث سيلعب الحلفاء الأوروبيون، بما في ذلك أحدث أعضاء الحلف، دوراً أكثر بروزاً في القيادة العسكرية للتحالف"، مضيفاً أن "القرار يتعلق بالتخطيط للتناوبات المستقبلية".
يرى محللو مركز "المجلس الأطلسي" أن التغييرات تعكس إعادة ترتيب جذرية للأولويات الدفاعية الأمريكية، حيث ذكر المجلس الأوروبي للسياسات أن "استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2026 لا تشير إلى انسحاب أمريكي من أوروبا، لكنها تنهي عصر الهيمنة الأمريكية الأوتوماتيكية"، مؤكداً أن "أوروبا تُعتبر الآن قادرة، وبالتالي مسؤولة عن دفاعها الخاص".
وأوضح التحليل أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تضع "الدفاع عن الوطن الأمريكي وردع الصين في القمة، بينما كل شيء آخر، بما في ذلك أوروبا، يأتي في المرتبة الثانية".
وأشار إلى أن "أوروبا لم تعد مسرحاً ذا أولوية للتفوق التقليدي الأمريكي، فواشنطن ستبقى في الناتو وتحتفظ بدورها الرادع النووي وتوفر قدرات تمكينية متقدمة، لكنها لن تدعم الدفاع التقليدي لأوروبا بشكل افتراضي".
في المقابل حذر خبراء من مركز "راند" للأبحاث من أن أوروبا تفتقر حالياً للقدرات الأساسية اللازمة للدفاع المستقل، مشيرين إلى أن الدول الأوروبية تعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة في قدرات حاسمة مثل "القيادة والسيطرة على ساحة المعركة".
بالإضافة إلى "الضربات بعيدة المدى، وقمع الدفاعات الجوية المعادية، والاستطلاع الجوي، والاتصالات الفضائية العسكرية، والمراقبة الجوية، والتزود بالوقود جواً، وطائرات النقل الاستراتيجي".
وأجرى موقع "ديفينس نيوز" استطلاعاً شمل 17 خبيراً من مراكز بحثية أوروبية حول المدة الزمنية التي تحتاجها أوروبا لتحقيق قدرات كافية في تسع قدرات دفاعية رئيسة لردع روسيا أو محاربتها بنجاح دون الولايات المتحدة، وجاءت النتائج مثيرة للقلق.
من جهته، أكد موقع "بي إتش هورايزن" المتخصص في التحليلات الاستراتيجية أن "الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية أصبحت الآن ضرورة مفروضة وليست تطلعاً طموحاً"، محذراً من أن "الفشل في ترجمة الخطاب إلى قدرات عسكرية ذات مصداقية لن يؤدي إلى طمأنة أمريكية، بل إلى مزيد من الانكفاء الأمريكي".
وحسب تقرير لصحيفة "ستارز آند سترايبس" الأمريكية، فإن إعادة الهيكلة تشمل أيضاً نقل دول الشمال الأوروبي بأكملها (فنلندا والسويد والدنمارك والنرويج) تحت مسؤولية مقر نورفولك، في خطوة تهدف إلى تعزيز العمليات في شمال الأطلسي والمنطقة القطبية الشمالية، التي شهدت زيادة ملحوظة في النشاط العسكري الروسي خلال السنوات الأخيرة.
وقال الجنرال أليكسوس جرينكفيتش، القائد الأعلى للحلفاء في أوروبا: "مع تحالف خصومنا حول العالم، من الضروري أن نعزز المنطقة الأوروبية الأطلسية قدر الإمكان، ونعزز موقفنا في أقصى الشمال"، مضيفاً أن مقر نورفولك يمثل "الجسر الاستراتيجي بين أمريكا الشمالية وأوروبا".
قال أحد الدبلوماسيين في الناتو لوكالة فرانس برس: "إنها علامة جيدة على نقل العبء بشكل عملي"، بينما أكد سفير الولايات المتحدة لدى الناتو ماثيو ويتاكر: "نحن نحاول جعل الناتو أقوى، لا الانسحاب منه، بل جعله يعمل كتحالف مكون من 32 حليفاً قوياً وقادراً".
لكن في المقابل، نشر موقع "غيتواي بانديت" تحليلاً بعنوان "الاستقلالية الاستراتيجية أم الوهم الاستراتيجي؟" يشكك في قدرة أوروبا على تحقيق استقلالية حقيقية، مشيراً إلى أن "من المنظور الواقعي، الاستقلالية بدون قوة هي بطبيعتها وهمية، وأمن أوروبا النهائي يعتمد على الهيمنة الأمريكية".
ورغم هذه التغييرات، ستحتفظ واشنطن بالمناصب القيادية الأساسية في الناتو، بما في ذلك منصب القائد الأعلى للحلفاء في أوروبا، مما يضمن استمرار نفوذها المحوري. لكن السؤال الأساسي: هل ستتمكن أوروبا من ترجمة الطموحات إلى قدرات ملموسة قبل فوات الأوان؟.