لم يكن مصادفة أن تعلن إيران عن "أحد أكثر صواريخها البالستية تقدماً"، (حسب وصف وكالة فارس)، قبل يوم واحد من جلسة مفاوضات مع واشنطن، تأتي في ذروة تهديدات متبادلة وتحشيد عسكري ضخم وضع المنطقة كلها في دائرة الخطر.
الإعلان عن صاروخ "خرمشهر 4"، المعروف أيضاً باسم "خيبر"، بدا تأكيداً عملياً على موقف طهران الذي رفض حتى اللحظة الأخيرة أن تكون القدرات الصاروخية الإيرانية موضع نقاش: "خط أحمر".. هكذا وصفت لجنة الأمن القومي البرلمانية موضوع الملف الصاروخي، وملف "تخصيب اليورانيوم".
أمام الإصرار الأمريكي، وفقط حين كادت المحادثات تنهار، تراجعت طهران خطوة، ووافقت على إدراج الملف الصاروخي على جدول المفاوضات المرتقبة غداً الجمعة، لكنها بقيت تؤكد أن الأولوية تبقى للمسألة النووية. حسب ما ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز".
مواقف تشير إلى أن قدرات إيران الصاروخية تُعد، بالنسبة لها وللغرب، أكثر أهمية من البرنامج النووي الذي بقي عقوداً يتصدر قائمة الأولويات، والاتهامات.
أجندات
حينما بدأت تلوح خيارات العودة إلى المسار السياسي، وسط تهديدات أثارت قلقاً عالمياً من حرب ليس من السهل التكهن بتداعياتها، اشترطت واشنطن على طهران القبول بالتفاوض حول 4 بنود، تشكل ثلاثة منها أوراق القوة الإيرانية، ودونها لن يكون لطهران أي وزن إقليمي:
أولاً: برنامج طهران النووي، وكل ما يتعلق به.
ثانياً: القدرات الصاروخية الإيرانية.
ثالثاً: الدعم الذي تقدمه طهران لوكلائها في المنطقة، سواء في لبنان، أم اليمن، أم العراق.
وأضافت واشنطن بنداً يتعلق بطريقة تعامل السلطات الإيرانية مع الاحتجاجات التي عوّلت عليها واشنطن، حين طالب الرئيس دونالد ترامب المتظاهرين بمواصلة تحركاتهم، بل إنه وعدهم صراحة بالتدخل لحمايتهم.
طهران ردت بالإصرار على أنها لن تقبل التفاوض على قدراتها الصاروخية، وأعلنت قدراتها الصاروخية "خطاً أحمر" لا يقبل حتى النقاش، ولم يصدر أي موقف رسمي إيراني أو أمريكي يشير إلى أي تبدل في مواقفها، غير أن صحيفة "نيويورك تايمز" نقلت عن "مسؤولين إيرانيين" أن طهران "قدمت في نهاية المطاف تنازلات"، وأن الجانبين اتفقا على أن تتركز المفاوضات على البرنامج النووي، إضافة إلى مناقشة الملف الصاروخي، وملف "دعم الوكلاء".
لماذا الصواريخ؟
دخلت إيران مفاوضات حول برنامجها النووي قبل نحو 3 عقود، بقيت خلالها تصر على أنه "سلمي"، وبعد جولات عدة توصلت لاتفاق مع الغرب (الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، إضافة إلى ألمانيا) عام 2015، قبل أن تنسحب الولايات المتحدة منه عام 2018.
خلال تلك العقود التي كان برنامجها النووي على رأس قائمة الانتقادات، كانت طهران تطور برنامجاً أثبت لاحقاً، وخاصة في حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل، ثم الولايات المتحدة، أنه أكثر جدوى من البرنامج النووي، وتحولت لتصبح صاحبة البرنامج الصاروخي الباليستي الذي يُعد الأكبر في الشرق الأوسط، حسب دراسة لمعهد دراسة الحرب (ISW)، نشرتها "روتيرز".
وحسب الوكالة فإن هناك ما لا يقل عن 5 "مدن صاروخية" تحت الأرض، كما تحتفظ إيران بصواريخ يصل مداها إلى 2000 كيلومتر، ما يعني أنها قادرة على الوصول إلى إسرائيل.
وفي الخبر الذي نشرته وكالة "فارس" الإيرانية عن إطلاق صاروخ "خرمشهر 4" ذكرت أنه "يرفع القدرة القتالية للقوات المسلحة في البلاد إلى مستوى غير مسبوق". وأشارت إلى ميزاته، ومنها أنه قادر على حمل "أكثر من طن من المواد المتفجرة"، كما أن مداه نحو 2000 كيلومتر، بينما تسمح سرعته بالوصول إلى الهدف خلال أقل من 15 دقيقة، وقالت إن ذلك "يحرم العديد من أنظمة الدفاع الصاروخي من فرصة الرد الفعال".
مرونة في "النووي"
وكانت طهران ردت على شروط ترامب لاستئناف المحادثات، التي جاءت وسط تهديدات، وتلويح بحرب شاملة، بأن أبدت استعدادها لخفض نسبة تخصيب اليورانيوم بمعدل كبير (من 60% إلى 20%)، كما أبدت مرونة في مسألة نقل اليورانيوم المخصب لديها، إلى دولة أخرى (موسكو أبدت استعدادها لنقله إلى روسيا)، لكنها بقيت تصر على أن جدول أعمال المحادثات لن يتضمن سوى البرنامج النووي.
وكانت وكالة "روتيرز" نقلت عن مسؤول إيراني أن العقبة الأكبر في المفاوضات "تتمثل في برنامج الصواريخ الباليستية وليس ملف تخصيب اليورانيوم"، وأكد أن بلاده "مستعدة لإبداء المرونة بشأن تخصيب اليورانيوم".