خاطب وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو مندوبي 191 دولة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، أمس الاثنين 27 أبريل/نيسان 2026، في افتتاح مؤتمر المراجعة الحادي عشر لمعاهدة عدم الانتشار النووي (TNP)، بكلمات حازمة قائلا: "فرنسا لن تترك هذا الصرح يتزعزع".
لكن التحذير يحمل قلقاً حقيقياً: 3 قمم متتالية فشلت في إصدار بيان مشترك (2010، 2015، 2022)، وتُبدي صحيفة "إيكونوميست" و"ويست فرانس" شكوكاً جدية حول نتيجة هذه الجولة الجديدة.
فمنذ دخول المعاهدة حيز التنفيذ عام 1970، لم يكن الوضع أشد هشاشة: معاهدة "نيو ستارت" للحد من التسلح النووي بين واشنطن وموسكو انتهت في فبراير/شباط دون تجديد، الصين ضاعفت رؤوسها الحربية 3 مرات خلال 3 سنوات، إيران "تجاوزت كل الخطوط الحمراء"، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعلن نيته إجراء تجارب نووية جديدة.
تفتتح "ويست فرانس" تقريرها بالتذكير بتحذير سابق جاء أشد: "خلال آخر مؤتمر مراجعة عام 2022، بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن البشرية كانت على بُعد سوء فهم واحد، وخطأ حسابي واحد من الفناء النووي".
والآن، في 2026، حذّر غوتيريش في افتتاح المؤتمر: "منذ وقت طويل جداً، تتأرجح المعاهدة بين الحياة والموت. الالتزامات لا تزال غير مُنجزة. الثقة والمصداقية تتآكلان. محركات الانتشار تكتسب قوة. يجب أن نُعطي المعاهدة حياةً جديدة".
وحذّر رئيس المؤتمر دو هونغ فييت، سفير فيتنام لدى الأمم المتحدة: "نجاح هذا المؤتمر أو فشله ستكون له تداعيات تتجاوز بكثير هذه القاعة وتتجاوز السنوات الخمس المقبلة. شبح سباق تسلح نووي جديد يخيّم فوق رؤوسنا".
توضح "أيكونوميست" الأزمة البنيوية للمعاهدة: "منذ 2010، في ظل تصلب العلاقات الدولية، لم يتقدم أي شيء نحو نزع الأسلحة الموعود. خلال مؤتمري 2015 و2022، لم تنجح الدول حتى في الاتفاق على إعلان مشترك، وهو ما يُتوقع أن يتكرر هذا العام".
وأوضحت أن القرارات في مؤتمرات المراجعة تُتخذ بالتوافق، مما يمنح أي دولة حق النقض فعلياً.
وفي 2015، عرقلت الولايات المتحدة بسبب معارضتها إنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط.
وفي 2022، وضع الموقف الروسي من محطة زاباروجيا النووية الأوكرانية حداً للاتفاق.
تُدين الصحيفة المفارقة الصارخة: "الدول الحائزة للسلاح النووي تُحدّث وتُجدّد ترساناتها، وفقاً للمنظمة الدولية لمناهضة الأسلحة النووية (ICAN)، التي تُقدّر الاستثمارات في 2024 بـ100.2 مليار دولار".
والأشد إزعاجاً: الصين تُسرّع توسيع مخزوناتها من الرؤوس النووية (بين 600 و1000 في صوامعها مقابل أقل من 300 قبل 3 سنوات) دون تقديم معلومات، خلافاً لكل قواعد الشفافية في المعاهدة".
من جهتها، تُلاحظ "ويست فرانس" أن "معاهدة نيو ستارت للتحكم في الرؤوس الحربية بين القوتين الكبريين انتهت في فبراير دون تجديد"، وأن الرئيس الأمريكي ترامب "يعتزم إجراء تجارب نووية جديدة لأن دولاً أخرى تفعل ذلك".
فيما أعلن الفرنسي إيمانويل ماكرون تحديثاً لترسانة فرنسا النووية مع "زيادة في عدد الرؤوس (290 حالياً)".
ويُلخّص المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي المعضلة: "ثمة إدراك متنامٍ بأن امتلاك أسلحة نووية قد يكون مفيداً للأمن القومي. لا شيء أكثر زيفاً من ذلك".
الأكثر إثارة للقلق هو ما يُحذّر منه جان-ماري كولان، مدير ICAN فرنسا: "المشكلة الحقيقية مع إيران هي تأثير الدومينو. إذا انهارت المعاهدة، سنغرق في كارثة أمنية دولية مروّعة. لن تكون دولتان (كوريا الشمالية وإيران) تُريدان قنبلتَيهما، بل نحو عشرين دولة".
ويُدعم هذا الخطر ببيان مرسوم للوزير بارو: "لم يكن خطر الانتشار النووي مرتفعاً إلى هذه الدرجة قط. وإيران تجاوزت كل الخطوط الحمراء المُحددة قبل عشر سنوات، بينما تواصل كوريا الشمالية برامجها غير المشروعة التي تُهدد الأمن الدولي".
تكشف "إيكونوميست" عن تحول استراتيجي لافت جراء هذا الوضع: "بعض الدول غير الحائزة للسلاح النووي، لكن الحريصة على احترام القانون الدولي، تسعى للاقتراب من مظلة نووية".
في أوروبا، دخلت 6 دول (ألمانيا، بلجيكا، الدنمارك، اليونان، هولندا، بولندا، السويد، المملكة المتحدة) في "مناقشات مكثفة مع باريس لفهم مفهوم الردع النووي المتقدم الذي قدّمه ماكرون في 2 مارس/آذار الماضي".
تُرسم "ويست فرانس" خريطة التفجيرات المحتملة خلال الأسابيع الأربعة للمؤتمر: الحرب في أوكرانيا والبرنامجان النوويان الإيراني والكوري الشمالي، والذكاء الاصطناعي في التسليح "إذ يطالب البعض بالتزام بالسيطرة البشرية على الأسلحة النووية".
ويُشدّد كريستوفر كينغ، الأمين العام للمؤتمر لـ"ويست فرانس": إذا استمرت الخلافات، المعاهدة "لن تنفجر في يوم واحد"، لكن مع هذه "المواقف الخطيرة" هي معرّضة لـ"الاضمحلال التدريجي".
وتختتم الصحيفة بالقول: لا أحد يُراهن على بيان ختامي موحّد يسير نحو نزع الأسلحة.