في الرابع والعشرين من أبريل الجاري، تجوّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك في شوارع مدينة غدانسك التاريخية، تحت الشمس البلطيقية المشرقة، وبارك لقاءهما الزعيم التاريخي ليش فاليسا.
لقطة تاريخية، لكنها أيضاً إشارة استراتيجية واضحة: في مواجهة عالم مضطرب، تجد فرنسا وبولندا في بعضهما الشريك الذي طال انتظاره.
قبل عام، وقّع ماكرون وتوسك معاهدة "نانسي" للصداقة بين البلدين، واليوم، التقارب أثمر، حيث يقول رافال تشاسكوفسكي، عمدة وارسو المنتمي إلى الوسط السياسي "هذه العلاقة باتت أكثر توازناً من أي وقت مضى"، مضيفًا "بولندا تصبح شريكًا بالندية".
هذا الدفء الاستثنائي يبدو أشد لمعانًا حين يُقارن بعلاقة ماكرون مع الشريكَين الأوروبيَّين التقليديَّين: المستشار الألماني فريدريش ميرتس، ورئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني، اللذين تتسم العلاقة معهما بالفتور النسبي، بحسب ما ذكرت مجلة لكسبريس الفرنسية
لفهم هذا التحول، لا بد من استيعاب المشهد البولندي الداخلي، بحسب المجلة، فالنائب الليبرالي البولندي المؤثر ريشارد بيترو يقول: "منذ بريكست، فرنسا هي القوة الأوروبية الكبرى الوحيدة".
وبولندا، أكثر الدول الأوروبية انتلانتيكية وتستضيف عشرة آلاف جندي أمريكي، تجد نفسها أمام سؤال وجودي: في عهد دونالد ترامب الذي يطعن في الناتو علناً، على مَن تعتمد؟.
استطلاع حديث أظهر أن 60% من البولنديين باتوا يرون سياسة ترامب ضارة بمصالح بلادهم، فمن إذلال الرئيس الأوكراني فلودومير زيلينسكي إلى الإساءة للبابا ليون الرابع عشر، مروراً بتهديد سيادة الدنمارك، الشعبية الأمريكية في تراجع ملموس على ضفاف نهر فيستولا.
في هذا السياق، وجد ماكرون أذناً صاغية في وارسو لمقترحه الأجرأ: "الردع النووي المتقدم"، فبولندا من بين الدول الثماني الأوروبية التي دعاها الرئيس الفرنسي للمشاركة في تدريبات عسكرية مشتركة تحت المظلة النووية الفرنسية.
وتوضح المجلة، بولندا التي تعيش على وقع حرب حقيقية على حدودها مع أوكرانيا، والتهديدات الروسية من تخريب وقرصنة وعمليات استفزازية، تجد أن هذا الطرح ليس ترفاً دبلوماسياً بل ضرورة وجودية.
الحسابات الاستراتيجية مدعومة أيضاً بمصالح اقتصادية ملموسة. في يونيو، سبق لأيرباص بيع أربعة وثمانين طائرة لشركة الطيران البولندية LOT، وتتقدم تاليس ألينيا سبيس في مجال الأقمار الاصطناعية. أما شركة EDF فستتقدم بعرضها لمشروع محطة الطاقة النووية الثانية في بولندا بنهاية العام أو مطلع 2027.
في المقابل، لا تقف بولندا في موقع المتلقي السلبي، إذ تعرض وارسو خبرتها الاستثنائية في مكافحة التضليل الإعلامي وصد الهجمات الإلكترونية الروسية - تجربة مكتسبة في الميدان لا في الكتب - فضلاً عن قدراتها اللوجستية وأمن الحدود وعضلاتها الاقتصادية المتنامية.
فاليري غوشيران، رئيس غرفة التجارة والصناعة الفرنسية-البولندية ورئيس لوريال بولندا، يصف ما يراه بـ"المسار الصاعد والمتين" للنموذج البولندي.
الأرقام البولندية مبهرة ومُقلقة لفرنسا في آنٍ معاً: نمو اقتصادي 4% في السنة، مجموعات فرنسية كبرى كأوشان وEDF وسان غوبان وتوتال إنرجيز تتدافع للاستثمار. صورة "السباك البولندي" التي أثارت جدلاً في فرنسا قبل عقدَين أصبحت من الماضي؛ واليوم بولندا تُصدّر المهندسين وعلماء البيانات والباحثين.
لكنّ ثمة قلقا يُقض مضجع وارسو: معدل الخصوبة 1.03 طفل لكل امرأة، وهو الأدنى في أوروبا، فالتحدي الديموغرافي الوجودي قد يُثقل المعجزة الاقتصادية على المدى البعيد.
هذا المحور الجديد يرتكز في جوهره على شخصية ماكرون وتوسك، وتقاسمهما الرؤية الأوروبية المشتركة، لكن 2027 سيكون عام الاختبار الحقيقي: فرنسا ستنتخب رئيساً جديداً، وبولندا ستجدد برلمانها. فهل ستنجو الشراكة من تغيير القيادتين؟ وهل ستصمد إذا جاء خلفاؤهما بحسابات مختلفة؟
والسؤال الأعمق هو هل هذا المحور يمثل تحولاً هيكلياً حقيقياً في المشروع الأوروبي، أم مجرد تضامن ظرفي تحت ضغط ترامب وبوتين؟.
وتقول لكسبريس إذا أثبت هذا التحالف الجديد صموده بعد 2027، سيكون قد رسّخ فعلاً خريطة سياسية جديدة لأوروبا، تنقل مركز ثقلها من الثنائي الكلاسيكي فرنسا-ألمانيا، نحو محور أوسع وأكثر شرقية.