كشفت مصادر مطلعة من داخل البيت الأبيض عن مواجهة صعبة يخوضها الفريق التفاوضي الأمريكي المشارك في المباحثات النووية الجارية مع إيران في جنيف، حيث اصطدمت الجهود الأمريكية مجدداً بتكتيك طهران "القديم الجديد".
وتعتمد هذه الاستراتيجية الإيرانية على التلاعب بعنصر الزمن وتمديد الآجال، مع الرهان على تقديم مكاسب جزئية هامشية تهدف إلى المناورة والابتعاد عن جوهر المطالب الأساسية والقضايا المفصلية التي يطرحها الجانب الأمريكي على طاولة المفاوضات.
وأوضحت المصادر لـ"إرم نيوز" أن فريق إدارة ترامب يشعر بأن الإيرانيين يظهرون جوانب إيجابية عندما يتعلق الأمر بالتفاصيل الصغيرة، في الوقت الذي يتعمدون فيه تجنب الخوض في القضايا الكبيرة؛ لأن تلك القضايا عند حسمها تكون المفاوضات قد حققت غرضها.
وأفادت المصادر بأن توجيهات الرئيس ترامب للفريق الأمريكي المفاوض في جنيف قضت بأن يكون "متاحًا عبر الهاتف" للتدخل الشخصي المباشر متى استدعت الضرورة حسم الخيارات التفاوضية.
وتعكس هذه الخطوة مرونة الرئيس في تجاوز البيروقراطية والأساليب التقليدية التي تفرض على المفاوضين العودة إلى واشنطن لتقديم التقارير وانتظار الأوامر خلف المكاتب.
وبحسب مقربين، فإن ترامب يسعى من خلال هذا الاتصال المباشر إلى تسريع وتيرة الإنجاز في ملف إيران المعقد؛ إذ لا يحبذ أسلوب الانتظار الطويل أو إدارة الأزمات الكبرى عبر المسارات الإدارية المفتوحة والمتباطئة، مفضلاً الحسم الفوري لتحقيق أهدافه الاستراتيجية.
ويُدرك المفاوضون الأمريكيون، وفقاً للمصادر، وجود رغبة إيرانية مستمرة في تمديد آجال التفاوض إلى أقصى مدى ممكن؛ وذلك سعياً من طهران لكسب ود المجتمع الدولي واستقطاب التعاطف الإقليمي، من خلال رسم صورة لنفسها كطرف يحرص على تجنب المواجهة العسكرية ويتمسك بالحلول الدبلوماسية.
في المقابل، تتبنى واشنطن رؤية مغايرة تماماً لعنصر الزمن، حيث تؤكد مصادر "إرم نيوز" أن الرئيس ترامب أبلغ معاونيه منذ مطلع ولايته بتمسكه بالحل الدبلوماسي، ولكن بشرط عدم تكرار أخطاء أسلافه.
ويرفض ترامب انتهاج أسلوب المفاوضات "المملة والطويلة والمرهقة" التي استنزفت الإدارات السابقة، مؤكداً أن تلك المسارات لا تخدم في نهاية المطاف المصلحة الأمريكية الاستراتيجية.
ووفق المصادر، فقد أبلغ الرئيس ترامب كبار مسؤوليه بأن الدبلوماسية هي خياره المفضل، لكنه لن ينتظر إلى الأبد التوصل إلى تفاهمات مع إيران.
هذه الرؤية، يقول المقربون، هي التي حركت قرار ترامب الصيف الماضي باستهداف المنشآت النووية الإيرانية بعد انتهاء مهلة الستين يوماً التي حددها بنفسه للإيرانيين عبر الوسطاء العمانيين.
وتقول مصادر "إرم نيوز" من داخل البيت الأبيض؛ هناك شعور متزايد بين أعضاء الفريق المفاوض الأمريكي أن الجانب الإيراني لا يزال يحاول تحقيق المكاسب المرحلية في المفاوضات الحالية، مع تقديم استجابات مدروسة تجعل من الاستمرار في المفاوضات مسألة مجدية من وجهة نظر فريق الرئيس ترامب.
هناك توجه داخل الدائرة الضيقة حول الرئيس ترامب لتحديد مهلة زمنية معينة للتفاوض، خاصة في الإجراءات المرتبطة بالملف النووي، وهي فكرة يؤيدها الرئيس ترامب شخصياً، وإبلاغ الإيرانيين بأن الهدف هو الوصول إلى اتفاق في حدود الآجال التي وضعها الرئيس ترامب، وفي حال عدم تحقق ذلك، سيكون الرئيس ترامب في حِلٍّ من أي التزامات تفاوضية مع الجانب الإيراني، وأخرى إقليمية مع الدول الحليفة في الجوار القريب.
مصادر "إرم نيوز" شددت على أن رؤية واشنطن في الوقت الحاضر تقوم على تفعيل التعزيزات العسكرية في المنطقة إلى الحد الذي يوفر للرئيس ترامب الشروط العسكرية التي يريدها لعمليته التي يعتزم تنفيذها في وقت لاحق.
وكان ترامب واضحاً في نقاشات مجلس الأمن القومي أن أي عمل عسكري جديد ضد إيران يجب أن يكون حاسماً هذه المرة في إنهاء الطموح النووي الإيراني، بما لا يترك مجالاً للتشكيك في نجاعة الخيار العسكري الأمريكي، وكذلك خلق بيئة مناسبة لإضعاف سلطة النظام الحاكم على مقاليد الأمور في كامل البلاد.
ترامب قال لأعضاء مجلس الأمن إن العمل العسكري يجب أن يكون طويل الأمد، بحيث لا تحتاج معه القوات الأمريكية إلى إنزال قواتها على الأرض، وبالتالي فإن الهدف هو عملية عسكرية خاطفة ودقيقة وحاسمة.
المقربون أضافوا أن حالة النقاش الدائرة حالياً في البيت الأبيض تشبه إلى حد بعيد تلك التي كانت قد سبقت العملية العسكرية في فنزويلا، لكن باختلاف جوهري هذه المرة، وهي أن الأزمة مع إيران ترتبط بملف نووي وبأمن إقليمي ودول حليفة تاريخياً وصديقة للولايات المتحدة.
لا يزال خيار العملية العسكرية في صدارة أولويات ترامب عندما يتعلق الأمر بإنهاء سلسلة النقاشات الداخلية، ولهذا السبب، تؤكد المصادر أن الرئيس يسعى لضمان استمرار تدفق القوات الأمريكية إلى المياه المجاورة لإيران بوتيرة عالية، توازي في سرعتها الرغبة في تحقيق إنجاز سياسي سريع على الجبهة الموازية.
وفي هذا السياق، وضع جنرالات المؤسسة العسكرية خيارات عديدة أمام الرئيس للتعامل مع مرحلة ما بعد فشل المفاوضات عبر أكثر من سيناريو ميداني.
ويرى مسؤولو وزارة الدفاع أن توجيه حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة يمثل رسالة واضحة من الإدارة بجدية قرار ترامب لإنهاء الأزمة، سواء عبر حل دبلوماسي في المسار التفاوضي، أو من خلال عمل عسكري تُحضّر له "البنتاغون" بدقة، لضمان تحقيق الأهداف التي حددها الرئيس داخل إيران فور إقراره للعملية عند الضرورة.