يرى خبراء أن القبضة الأمنية للحرس الثوري لم تكن العامل الوحيد في انحسار موجة الاحتجاجات العارمة التي ضربت إيران مطلع عام 2026؛ إذ لعبت المعطيات الخارجية دورًا حاسمًا في تهدئة الشارع خلال فبراير/شباط الجاري.
ويضيف الخبراء، أن الأساطيل وحاملات الطائرات الأمريكية، التي تدفقت نحو السواحل الإيرانية بأوامر من ترامب، تحولت إلى كابح غير متوقع لزخم الشارع، إذ أثار هذا التحشيد العسكري مخاوف قادة الاحتجاجات من الانزلاق نحو فخ "جسر الفوضى"، وخشية أن يُوظف حراكهم كغطاء لمخطط أمريكي-إسرائيلي يستهدف استقرار البلاد.
هذا الانكفاء الشعبي المفاجئ تحول إلى "ورقة قوة" غير متوقعة بيد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في أروقة مفاوضات جنيف، حيث تراجعت حدة الضغوط الداخلية التي كانت تُثقل كاهله، ما منحه مساحة أكبر للمناورة و"أريحية" في التفاوض أمام الفريق الأمريكي الذي يقوده ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، في واحدة من أدق اللحظات التي تمر بها المباحثات النووية.
وشهدت إيران مع نهاية العام الماضي وبداية العام 2026 موجة احتجاجات وُصفت بأنها التهديد الأخطر للنظام، إذ اكتسبت بعداً غير مسبوق بانضمام "تجار البازار" للحراك لأول مرة.
وانطلقت الشرارة من انهيار العملة وتردي الأوضاع المعيشية، لتتمدد إلى 210 مدن، وبلغت ذروتها في 9 يناير/ كانون الثاني بخروج نحو 1.5 مليون متظاهر في العاصمة طهران، وسط مطالبات بإسقاط النظام.
ومع حلول فبراير/ شباط الجاري، سادت توقعات بانفجار شعبي جديد تزامنًا مع "أربعينية" الاحتجاجات وذكرى الثورة (11 فبراير)؛ إلا أن القبضة الأمنية الصارمة وفرض القوة حالا دون تجدد الزخم، مما أحبط محاولات استعادة المشهد المليوني في الميادين.
واعتبر الخبير في الشأن الإيراني، الدكتور أحمد الياسري، أن المظاهرات الإيرانية لم تتبخر، ولكن تم احتواؤها على المستوى الإعلامي وتقطيع أوصالها على الجانب الجغرافي، باستخدام القوة باتفاق المحافظين والراديكاليين.
وأضاف الياسري في حديث لـ"إرم نيوز"، أنه في أحداث متكررة، مثل احتجاجات جامعة طهران 1999 والثورة الخضراء 2009 وأحداث 2019 و2021، لم يتفق الإصلاحيون والمحافظون على سياسة تعامل واحدة، بخلاف ما يحدث الآن.
ووفق الياسري، فإن اتهام المتظاهرين بعدم القدرة على الحفاظ على سلمية حركتهم، والزعم باستغلالها من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل عبر اختراق داخلي، حمل جانباً من التشكيك في حركة الاحتجاجات أمام قطاع كبير من الرأي العام.
واستطرد أن النظام تعامل مع الاحتجاجات بحس أمني مفرط، نظراً لاعتقاده أن المظاهرات هي جزء من الاستهداف الأمريكي الإسرائيلي الذي يسعى لخلق حالة من الخلخلة الداخلية تمهد الأرض لعمليات عسكرية من الخارج.
ويرى الياسري أن تعجل ترامب بإرسال الأساطيل العسكرية البحرية ساهم في تراجع وتيرة الاحتجاجات؛ حيث جعل الكثير من الناشطين يشعرون بأنهم قد أصبحوا "جسراً" يعبر عليه مخطط أمريكي إسرائيلي لنشر الفوضى في الداخل.
وتابع بالقول، إن المتظاهرين تراجعوا خوفاً من التأثر بالاستهدافات العسكرية، نظراً لقرب الكثير من الأهداف الحيوية والنووية من التجمعات المدنية، وهو ما تجلى في "حرب الـ12 يوماً"، حيث قُتل قرابة ألفي مدني في محيط عدة أهداف.
وأشار إلى أن المدنيين يشعرون بضرورة انتهاء المواجهة بين الطرفين حتى يكون لهم قولٌ؛ فإذا امتص النظام الضربة الأمريكية ستعود الحركة الاحتجاجية إلى الحالة الأفقية، أما إذا استُهدف النظام وأُسقط، فسيستغل المتظاهرون ذلك للسيطرة على الوضع الداخلي.
ويتصور الياسري أن ما يجري حالياً هو مجرد "استراحة محارب" للمحتجين، ومحاولة للخروج المؤقت من الصورة، بعد وصول واشنطن وطهران إلى استراتيجية "حافة الاشتباك".
ويقول الخبير الاستراتيجي، مصطفى الخفاجي، إن الاحتجاجات في إيران خرجت بسبب الضغوط الاقتصادية المهلكة التي واجهها الشعب نتيجة العقوبات الغربية الخانقة، التي أرهقت كاهل المواطنين طيلة عقدين من الزمن تقريباً.
وبحسب الخفاجي لـ"إرم نيوز"، كان المواطن الإيراني البسيط يرى نفسه أمام حالة معيشية صعبة للغاية أجبرته على الخروج طلباً لتحسين ظروفه الاقتصادية والاجتماعية، في وقت خرج فيه قطاع شعبي آخر لرفضه بعض الممارسات التي وسمت بعض المسؤولين بالفساد.
ويؤكد الخفاجي أن الضغط الداخلي عبر استمرار الحشود الشعبية بالتظاهر خفَّ وانتهى تماماً بمرور الوقت، لذلك ترى الحكومة الإيرانية نفسها في وضع مريح داخلياً، مما يؤهلها للتركيز على العامل الخارجي الخاص بالتفاوض مع واشنطن.
وبيّن الخفاجي أن جولة المفاوضات السياسية بين إيران والولايات المتحدة في جنيف تستمر في ظل رغبة أمريكية حقيقية تشاطرها فيها طهران للتوصل إلى صيغة حل مرضية، ووضع خارطة طريق تحل الإشكالات العالقة، وإبرام اتفاق يجنب المنطقة حرباً واسعة.
وذكر الخفاجي أن مفاوضات جنيف جرت بأريحية تامة من قبل الجانب الإيراني بعد تراجع الحركة الاحتجاجية وتخفيف الضغوط الداخلية، لكن في المقابل، تريد الولايات المتحدة وضع أفق زمني محدد لهذه المفاوضات.
واستكمل الخفاجي أن إيران ترى نفسها في وضع جيد داخلياً بعد القضاء على الاحتجاجات الأخيرة، وأيضاً خارجياً عبر دعم عدد من دول المنطقة لها ورفض شن الولايات المتحدة ضربات جوية عليها، وهو ما انعكس إيجاباً على جولات المباحثات القائمة.
وبحسب الخفاجي، فإن تراجع الاحتجاجات انعكس بوضوح على الحالة التفاوضية في جنيف؛ إذ تبدو طهران في وضع أكثر أريحية مما كانت عليه في جولة مسقط، حيث كان الضغط الداخلي والخارجي حينها متحكماً بالمشهد الإيراني تماماً.