في وقتٍ يُفترض فيه أن تُقاس قرارات الحرب الأمريكية بميزان التنافس مع الصين، أفادت مجلة فورين بوليسي بأن الحرب الجارية ضد إيران تكشف خللًا أعمق في ترتيب الأولويات الاستراتيجية لواشنطن.
ولا يبدو أن هذا الانخراط العسكري يعزز موقع الولايات المتحدة في مواجهة بكين بقدر ما يفتح الباب أمام مخاطر استنزاف طويلة الأمد، بحسب المجلة.
وتوضح المجلة في تحليلها أن أي قرار أمريكي بالذهاب إلى الحرب في ظل تصاعد التنافس مع الصين يجب أن يُقيَّم من زاوية تأثيره على هذا التوازن، وهو معيار كان حاضرًا بوضوح خلال الحرب الباردة، حين ارتبطت تدخلات واشنطن العسكرية بمحاولة احتواء الاتحاد السوفيتي، إلا أن هذا المنطق، وفق التحليل، يبدو غائبًا أو ضعيف الحضور في الحالة الإيرانية.
وتشير فورين بوليسي إلى أن أحد العوامل التي سهّلت اندفاع الولايات المتحدة نحو الحرب يتمثل في الغياب النسبي للقوة العسكرية الصينية في الشرق الأوسط. ففي حقبة الحرب الباردة، كانت أي مواجهة في المنطقة تحمل مخاطر رد مباشر من موسكو؛ ما كان يفرض قيودًا على قرارات واشنطن. أما اليوم، فإن محدودية الانتشار العسكري الصيني خارج غرب المحيط الهادئ توفر بيئة أقل ردعًا.
ولا يعكس هذا الواقع، بحسب المجلة، بالضرورة تفوقًا استراتيجيًا بقدر ما يفتح المجال أمام ما يمكن وصفه بـ"إغراء الانخراط"، حيث تميل الولايات المتحدة إلى استخدام قوتها في ساحات لا تقع ضمن مركز التنافس مع الصين.
هذا التوجه يحمل في طياته مخاطر "التمدد الاستراتيجي"، أي الانخراط في صراعات تستنزف الموارد دون تحقيق مكاسب مباشرة في الصراع الرئيس.
وتلفت المجلة إلى أن بعض التفسيرات تضع الحرب في سياق محاولة إضعاف الصين عبر استهداف أحد شركائها الرئيسين، أي إيران، سواء من خلال إضعاف النظام أو تعطيل تدفقات الطاقة التي تعتمد عليها بكين، إلا أن هذه الفرضيات، وفق التحليل، تعاني من ثغرات واضحة.
الضربات الجوية، رغم كثافتها واستهدافها لقيادات بارزة، لم تُسقط النظام الإيراني؛ ما يعكس حدود القوة العسكرية في تحقيق تغيير سياسي جذري. وحتى في حال حدوث تحول داخلي، لا يوجد ما يضمن أن أي سلطة جديدة ستعيد تموضعها بعيدًا عن الصين، خاصة في ظل عمق الروابط الاقتصادية بين الطرفين.
وتضيف فورين بوليسي أن الصين تُعد الشريك التجاري الأكبر لإيران، كما أنها تمثل الوجهة الرئيسة لصادراتها النفطية، وهو ما يمنح العلاقة بين البلدين طابعًا هيكليًا يتجاوز الاعتبارات السياسية قصيرة الأجل.
في سياق متصل، تفيد المجلة بأن تصوير العلاقة بين الصين وإيران وروسيا كـ"محور موحد" قد يكون مبالغًا فيه، فبكين، رغم تنامي علاقاتها مع طهران، لا تتبنى نهج التحالفات الصلبة، بل تسعى إلى موازنة علاقاتها مع أطراف متعددة في المنطقة، بما في ذلك دول الخليج وإسرائيل.
وترى المجلة أن المصالح الصينية في الشرق الأوسط تتركز أساسًا في ضمان الاستقرار واستمرار تدفقات الطاقة والتجارة، وهو ما يفسر موقفها الحذر من أي تصعيد نووي إيراني قد يهدد هذه المعادلة. ومن ثم، فإن اعتبار إيران أداة ضمن استراتيجية صينية أوسع لمواجهة الولايات المتحدة لا يعكس بدقة طبيعة العلاقة بين الطرفين.
اقتصاديًا، تشير فورين بوليسي إلى أن الحرب أدت إلى اضطراب في أسواق النفط؛ ما يؤثر على الصين باعتبارها أكبر مستورد للطاقة عالميًا، حيث تعتمد على الواردات لتغطية أكثر من 70% من استهلاكها. كما أن نحو نصف وارداتها النفطية يأتي من الشرق الأوسط.
وتوضح المجلة أن بكين استعدت لمثل هذه السيناريوهات عبر بناء احتياطيات استراتيجية كبيرة، مستفيدة من انخفاض الأسعار في فترات سابقة، إضافة إلى تنويع مصادر الإمداد لتشمل دولًا مثل روسيا والبرازيل.
في المقابل، لا تقتصر تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة على الصين، بل تمتد إلى الاقتصاد الأمريكي نفسه، وكذلك إلى حلفائه الرئيسين مثل اليابان وكوريا الجنوبية ودول أوروبا؛ ما يضعف فكرة أن الحرب تشكل أداة فعالة لإضعاف بكين اقتصاديًا.
وعلى الصعيد العسكري، تتابع الصين عن كثب العمليات الأمريكية في إيران، خاصة استخدام تقنيات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي في إدارة الضربات الجوية. وترى فورين بوليسي أن هذه الحرب توفر لبكين فرصة لمراقبة وتقييم القدرات الأمريكية في بيئة عمليات حقيقية.
ومع ذلك، فإن الفجوة التكنولوجية بين الجانبين لم تعد بالحجم الذي كانت عليه بعد حرب الخليج عام 1991، حين شكل الأداء الأمريكي صدمة استراتيجية للصين. أما اليوم، فقد حققت بكين تقدمًا ملحوظًا في تحديث قواتها المسلحة؛ ما يعزز ثقتها بقدرتها على المواجهة، خصوصًا في محيطها الإقليمي.
في ضوء هذه المعطيات، جاء الموقف الصيني من الحرب محدودًا وحذرًا، دون تدخل مباشر. وتوضح المجلة أن هذا النهج يعكس حسابات دقيقة، إذ لا تمتلك بكين التزامات أمنية تجاه إيران، كما أن انخراطها العسكري في المنطقة قد يعرّضها لمخاطر غير محسوبة.
كما أن غياب وجود عسكري صيني دائم في الشرق الأوسط يجعل أي تدخل محتمل معقدًا من الناحية اللوجستية والاستراتيجية. ومع ذلك، تؤكد المجلة أن هذا الحذر لا ينبغي تفسيره كدليل على ضعف، بل كجزء من مقاربة تركز على تجنب الانخراط في صراعات خارج نطاق الأولويات المباشرة.
وتحذر فورين بوليسي من أن الخطر الأكبر يكمن في احتمال تحول الحرب إلى نزاع طويل يستنزف الموارد الأمريكية، خاصة إذا تطور إلى تدخل بري. وفي هذه الحالة، قد تجد واشنطن نفسها مشتتة بين جبهات متعددة؛ ما يمنح الصين فرصة لتعزيز موقعها في شرق آسيا، بما في ذلك ملف تايوان.