انتهت يوم الخميس آخر معاهدة للحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة وروسيا، لتترك العالم للمرة الأولى منذ عام 1972 بلا أي قيود على حجم أو تركيب الترسانات النووية، فيما يخطط الطرفان لتطوير أجيال جديدة من الرؤوس الحربية ووسائل توصيلها المتطورة.
وبحسب "نيويورك تايمز"، فإن هذا الانتهاء لا يمثل مجرد تراجع دبلوماسي، بل مؤشراً على تحول استراتيجي واسع النطاق، فقد أدى الجمود في المفاوضات، منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، إلى فقدان أي فرصة لتمديد أو تحديث الاتفاق، فيما تتسارع الصين وغيرها من القوى الصاعدة في تعزيز قدراتها النووية، في خطوة قد تضيف بعداً جديداً للسباق النووي متعدد الأقطاب.
وكشفت مصادر أن الرؤى السابقة للسيطرة على التسلح النووي انهارت أمام واقع اليوم، فالبرامج الروسية للتسلح تحت البحر والفضاء، وصعود ترسانة الصين السريعة، إضافة إلى التحديث الأمريكي المكثف، أعادت تشكيل المشهد الأمني العالمي.
وبحسب البيانات فإن واشنطن وحدها ستنفق هذا العام 87 مليار دولار على الأسلحة النووية، بما في ذلك تحديث الرؤوس الحربية واستبدال الصواريخ والقاذفات القديمة، مع خطط لإعادة تفعيل كامل صواريخ الغواصات النووية التي كانت مقيدة بموجب المعاهدة السابقة.
ويحذر مراقبون من أن غياب الضوابط يعيد العالم إلى ديناميكية خطرة، إذ يصبح التوازن الهش للقوة النووية هو المرجع الأساسي للأمن، بدل الضوابط الدبلوماسية التي حافظت على الاستقرار نسبيًا طوال عقود.
كما أن تحركات روسيا لإدخال أسلحة فائقة التدمير، مثل الطوربيدات النووية البحرية وصواريخها الفضائية، وتجارب الصين للصواريخ المراوغة حول الكرة الأرضية، كلها تضع واشنطن أمام خيارين لا ثالث لهما: زيادة الترسانات الأمريكية بشكل يفاقم سباق التسلح، أو السعي لعقد اتفاق أوسع يشمل القوى الصاعدة، وهو خيار يبدو بعيد المنال في ظل الجمود الحالي.
وأثارت هذه المرحلة الجديدة من الصراع النووي القلق ليس لدى القوى الكبرى فحسب، بل لدى حلفاء واشنطن الذين بدأوا علناً بمناقشة إنشاء قوات نووية مستقلة، من فرنسا إلى بولندا، وحتى بعض الدول الإسكندنافية، في ظل تراجع الثقة بالالتزامات الأمريكية التقليدية.
وبحسب محللين فإن الانتهاء الرسمي للمعاهدة يمثل أكثر من مجرد ورقة تاريخية منتهية، إذ يعد إشارة إلى أن العالم دخل منطقة مجهولة، حيث القوة النووية وحدها ستحدد قواعد اللعبة، وأي خطأ في الحسابات أو سوء تقدير قد يجرّ النظام الدولي إلى أزمة غير مسبوقة منذ أيام الحرب الباردة.