logo
العالم

هل تتحول روسيا بعد الحرب إلى "كوريا شمالية بحجم أكبر"؟

فلاديمير بوتين وكيم جونغ أونالمصدر: شاترستوك

يطرح مسار الحرب في أوكرانيا، وما تبعها من عقوبات غربية غير مسبوقة على روسيا، تساؤلاً جوهرياً حول ملامح موسكو في مرحلة ما بعد الحرب، وما إذا كانت تتجه نحو نموذج يشبه كوريا الشمالية، ولكن بحجم وإمكانات أكبر، في ظل اعتماد متزايد على الصين.

وتبدو بعض أوجه الشبه قائمة، إذ وجدت  روسيا نفسها في مواجهة عزلة دولية خانقة استهدفت النظام المالي والتكنولوجيا المتقدمة والتجارة الخارجية، ما دفعها إلى إعادة توجيه بوصلتها شرقاً.

وفي هذا السياق، برزت الصين شريكاً اقتصادياً رئيساً عبر استيراد كميات متزايدة من النفط والغاز الروسيين، وتصدير سلع وتقنيات عوّضت جزئياً انسحاب الشركات الغربية.

غير أن مراقبين يرون أن هذه المقارنة تظل محدودة، في ضوء فروق جوهرية بين البلدين، فروسيا، رغم الضغوط، لا تزال اقتصاداً أكبرَ بكثير، وتمتلك موارد طبيعية هائلة، وقاعدة صناعية وعسكرية متقدمة، إلى جانب كونها قوة نووية، وعضواً دائماً في مجلس الأمن، مع نفوذ ممتد في  الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا الوسطى.

كما أن العلاقة بين موسكو وبكين، ورغم اختلال ميزان القوة لمصلحة الصين، تقوم على شراكة إستراتيجية بين قوتين كبيرتين، لا على علاقة راع وتابع على غرار النموذج الكوري الشمالي.

ويرى خبراء أن روسيا تمتلك مقومات ذاتية تحول دون انزلاقها إلى هذا السيناريو، في مقدمتها استقلال قدراتها العسكرية والنووية، ووزنها الجيوسياسي الذي يجعلها فاعلاً دولياً لا يمكن اختزاله في علاقة أحادية الجانب.

وفي حديث لـ"إرم نيوز"، أكد الخبراء أن العلاقات الروسية–الصينية تقوم على تبادل المصالح والاعتماد المتبادل، حيث تحتاج الصينإلى روسيا بقدر حاجة موسكو إلى بكين، مشددين على أن الدعم الصيني لا يصل إلى حد السيطرة أو الحسم، وأن روسيا لا تزال قادرة على تنويع شراكاتها، والاعتماد على إمكاناتها الذاتية.

وأشاروا إلى أن تصوير روسيا كنسخة "عملاقة" من كوريا الشمالية يتجاهل الفوارق البنيوية بين الدولتين، ويغفل طبيعة الدور الروسي في النظام الدولي، حتى في مرحلة ما بعد الحرب.

أخبار ذات علاقة

آثار القصف في مدينة دونيتسك

الحصون المهددة.. كيف تؤدي خسارة دونيتسك إلى سقوط دفاعات أوكرانيا؟

وقال بسام البني، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية، إن تشبيه مستقبل روسيا بعلاقة كوريا الشمالية مع الصين يفتقر إلى المنطق السياسي والواقعية، معتبرًا أن هذا الطرح يقوم على مقارنة مضللة لا تستند إلى حقائق بنيوية. 

وكشف في تصريح لـ"إرم نيوز" أن روسيا تختلف جذريًا عن أي نموذج تبعي آخر، كونها دولة عظمى تمتلك مقومات مستقلة تجعل من غير المقبول وضعها في إطار علاقات غير متكافئة أو اختزالها في تشبيهات غير دقيقة.

وأشار البني إلى أن العلاقات الروسية الصينية تقوم على شراكة إستراتيجية متصاعدة، لافتًا إلى أن تنامي التبادل التجاري بين البلدين لا يعني، بأي حال من الأحوال، اعتماد روسيا الكامل على الصين.

وشدد الخبير في الشؤون الروسية، على أن موسكو تمتلك قدرات سيادية واسعة، في مقدمتها القوة النووية، موضحًا أن الحرب في أوكرانيا تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي الروسي، وهو ما يفسّر إصرار موسكو على حسمها انطلاقًا من اعتبارات إستراتيجية بحتة.

وأضاف المحلل السياسي، أن الدور الصيني الداعم لروسيا لا يصل إلى مستوى الحسم العسكري أو التقني، مؤكدًا أن الصين لا توفر لروسيا أنظمة تسليح متقدمة، بل إن الصورة المعاكسة هي الأقرب للواقع، حيث تعتمد بكين في جانب من تسليحها على الخبرات الروسية. 

وتابع البني أن روسيا تنتهج سياسة تنويع الشراكات، وعدم الارتهان لأي محور بعينه، مشيرًا إلى أن موسكو لا تضع خياراتها الإستراتيجية في سلة واحدة، وتمتلك من الموارد والإمكانات ما يؤهلها للاعتماد على نفسها بشكل كامل إذا اقتضت الظروف. 

وأكد أن روسيا منفتحة على التعاون مع مختلف الأطراف الدولية، لكنها لا تقوم ببناء علاقاتها على أساس الاعتماد المطلق على أي دولة، مهما بلغت أهمية هذه العلاقة.

وقال المحلل السياسي، إن العلاقات الروسية الصينية يمكن وصفها بالمتينة والإستراتيجية، لكنها بعيدة تمامًا عن أي صيغة تبعية، معتبرًا أن أي توصيف يخالف هذه الحقيقة لا يعكس الواقع الجيوسياسي بدقة، ويقود إلى استنتاجات مضللة بشأن مستقبل روسيا بعد الحرب.

من جانبه، أكد د. حامد فارس، أستاذ العلاقات الدولية، أن تنامي الاعتماد الاقتصادي لروسيا على الصين خلال السنوات الأخيرة، والذي أسفر عن وصول حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى نحو 240 مليار دولار، لا يعني بالضرورة أن موسكو تسير نحو نموذج مشابه لكوريا الشمالية. 

وفي تصريحات لـ"إرم نيوز"، قال إن هذا التصور يرتبط بالضغوط الغربية المتواصلة والعقوبات المشددة المفروضة على روسيا، والتي دفعت البعض إلى تبني مقارنات تفتقر إلى العمق التحليلي.

وأشار فارس إلى إن غياب البدائل الاقتصادية أمام روسيا، بالتوازي مع محاولات الغرب المستمرة لعزلها دوليًا، أسهم في خلق انطباعات سطحية لدى بعض المراقبين بشأن مستقبلها، إلا أن هذه الانطباعات لا تعكس الفروق الجوهرية العميقة بين الحالة الروسية والنموذج الكوري الشمالي.

وأوضح أستاذ العلاقات الدولية أن روسيا تمتلك موارد طبيعية هائلة تجعلها شريكًا لا غنى عنه للصين، تمامًا كما تحتاج موسكو إلى بكين في إدارة تداعيات العقوبات الغربية، وهو ما يكرس علاقة اعتماد متبادل لا يمكن تفسيرها باعتبارها علاقة أحادية أو خاضعة لطرف واحد.

أخبار ذات علاقة

ماريا زاخاروفا

روسيا ترد على اتهامات بشن هجمات إلكترونية ضد إيطاليا

وأضاف أن روسيا تتميز، إلى جانب مواردها الضخمة، بمساحة جغرافية شاسعة تمنحها عمقًا إستراتيجياً فريداً فضلًا عن احتفاظها بثقل جيوسياسي كبير نابع من قوتها العسكرية والاقتصادية، وشبكة علاقاتها المتشعبة مع عدد واسع من دول العالم. 

وأكد د. حامد فارس، أن هذه المحددات مجتمعة تجعل من غير الممكن سياسيًا أو إستراتيجيًا عقد مقارنة حقيقية بين روسيا وكوريا الشمالية.

وشدد على أن روسيا بحجمها ومكانتها الدولية، لا يمكن، بأي حال من الأحوال، اختزالها في نموذج معزول أو تابع، مؤكدًا أن تشبيهها بكوريا الشمالية يفتقر إلى الدقة، ويتجاهل الفوارق البنيوية التي تحكم موقع كل دولة في النظام الدولي.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC