يُعتبر بيتر ماندلسون واحدًا من أبرز الشخصيات السياسية البريطانية في العقود الأخيرة، ويحمل لقب "أمير الظلام" لما عرف عنه من أسلوب ميكافيلي في السلطة وقدرته على إعادة تشكيل حزب العمال.
بدأ ماندلسون مسيرته كمدير للاتصالات في الحزب خلال الثمانينيات، وساهم في تحويله من حزب تقليدي مرتبط بالنقابات إلى حزب "العمال الجدد" المؤيد للسوق، ما مهد الطريق لتوني بلير للفوز بالأغلبية الساحقة في انتخابات 1997.
بعد ذلك، تولى مناصب وزارية بارزة، شملت وزارة التجارة ووزارة الأعمال في حكومات بلير وبراون، فضلاً عن كونه مفوض الاتحاد الأوروبي للتجارة بين 2004 و2008.
ورغم نجاحاته، كانت مسيرته مشوبة بالفضائح، أبرزها الاستقالات المتكررة بسبب قروض شخصية غير معلنة واستخدام منصبه لمصالح متبرعين أثرياء، ما رسّخ صورة الرجل المثير للجدل في السياسة البريطانية.
احتلت علاقات ماندلسون مع الممول الأمريكي المدان جيفري إبستين العناوين الرئيسية في فبراير 2026، بعد تسريب وثائق ومراسلات بريد إلكتروني تظهر قربه الشديد من إبستين.
تكشف الملفات أن ماندلسون وصف إبستين بأنه “أفضل صديق لي”، وأرسل له نصائح لمواجهة الأزمات السياسية والمالية مستخدمًا تكتيكات مستوحاة من كتاب “فن الحرب” لسون تزو.
كما أظهرت الوثائق تحويل إبستين لمبالغ مالية بلغت عشرات الآلاف إلى حسابات مرتبطة بماندلسون أو أسرته، إضافة إلى تسريبه معلومات حساسة عن خطط الحكومة البريطانية بعد الأزمة المالية لعام 2008، بما في ذلك تفاصيل عن ضرائب المصرفيين وخطط دعم اليورو.
وحتى الصور الشخصية المثيرة للجدل التي تم نشرها، والتي تظهره بملابسه الداخلية بجانب امرأة وجهها مخفي، أضافت طبقة إضافية من الغموض والجدل حول سلوكه الشخصي.
أسفرت هذه الفضيحة عن إقالة ماندلسون من منصبه كسفير لدى الولايات المتحدة بعد سبعة أشهر فقط، وإعلانه لاحقًا استقالته من مجلس اللوردات البريطاني، وهو المجلس الأعلى للبرلمان البريطاني. كما فتحت الشرطة تحقيقًا جنائيًا معه بتهمة سوء السلوك في الوظيفة العامة.
الفضيحة ألقت بظلالها على رئيس الوزراء كير ستارمر، الذي اختار ماندلسون لتولي السفارة، ما أثار انتقادات واسعة من أحزاب المعارضة، بما في ذلك حزب المحافظين وزعيم حزب الإصلاح الشعبوي نايجل فاراج، الذين وصفوا القرار بـ"خطأ جسيم في التقدير".
وقد اعتبر ستارمر أن ماندلسون “خان بلدنا وبرلماننا وحزبي”، واعترف بالندم على تعيينه.
تمثل هذه الأحداث انعكاسًا لتاريخ ماندلسون الطويل في التعامل مع الأثرياء والمال، ما أثار تساؤلات حول النزاهة الحكومية وسلوك المسؤولين الكبار، ويضع الحكومة البريطانية أمام تحديات سياسية ودبلوماسية كبيرة، خصوصًا في علاقاتها مع الولايات المتحدة التي كانت تعتمد على السفير الجديد لتعزيز التواصل بين البلدين.
في النهاية، من مهندس صعود حزب العمال إلى شخصية محورية في السياسة الخارجية البريطانية، يبدو أن التاريخ السياسي الطويل لبيتر ماندلسون لم يحمه من التداعيات الناتجة عن علاقاته بإبستين.
حولت هذه الروابط الشخصية والسياسية الموصوفة بالحرجة، الرجل الذي أُطلق عليه لقب "أمير الظلام"، إلى رمز للجدل والفضائح في قلب المؤسسة البريطانية، ما جعل سقوطه السياسي وانكفاؤه عن الحياة العامة أمرًا شبه مؤكد.