كشفت صحيفة "بوليتيكو" الأمريكية عن كواليس إدارة الرئيس دونالد ترامب لعلاقته المتوترة مع الصين، حيث يسعى البيت الأبيض حاليًا لتجنب المواجهة المباشرة.
ويركز ترامب في زيارته المرتقبة لبكين على تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية ملموسة، مفضلاً لغة "الصفقات" على لغة الصدام العسكري أو الدبلوماسي الحاد.
إذ تضم الإدارة الحالية وجوهًا توصف بـ"صقور الصين" الذين يطالبون بقطيعة جذرية، إلا أن تعليمات الرئاسة شددت مؤخرًا على ضرورة ضبط النفس وتجنب التصعيد.
ويفرض وزير الخزانة سكوت بيسنت، بالتعاون مع ستيفن ميلر، طوقًا من الانضباط على مسؤولي الإدارة، لضمان عدم تعكير أجواء التهدئة الهشة مع الجانب الصيني.
فيما تهدف هذه الاستراتيجية إلى منح المفاوضين مساحة كافية للبناء على التفاهمات السابقة، التي انطلقت عقب لقاء ترامب وشي جين بينغ في كوريا الجنوبية.
ويصف مراقبون الوضع داخل أروقة واشنطن بـ "السير على قشر البيض"، حيث يراقب بيسنت بدقة أي تصريحات قد تقوض مساعي التهدئة الاقتصادية المنشودة.
في الوقت نفسه، يرسم بيسنت مسارًا يقوم على إغراء بكين بـ "صفقة كبرى"، شريطة إعادة توازن اقتصادها، وهو ما يختلف عن نهج الصقور المنادين بالهجوم المستمر.
كما يرى حلفاء وزير الخزانة أن الاستعجال في فك الارتباط الاقتصادي يعد فشلاً استراتيجيًا، ويؤكدون أن إنهاء عقود من التبعية يتطلب صبرًا طويلاً وحكمة.
ويخشى أنصار هذا التوجه من أن يؤدي الانفصال السريع إلى اضطرابات ضخمة تضر بالعامل الأمريكي، واصفين التسرع بأنه "قتل للمريض الذي نحاول إنقاذه".
يلتزم مسؤولو البيت الأبيض بـ "كتاب قواعد" واحد وضعه ترامب، يفرض الاتساق والانضباط في الأداء لضمان تنفيذ أجندة "أمريكا أولاً" دون انحراف.
علاوة على ذلك، أكد المتحدث باسم البيت الأبيض، كوش ديساي، ثبات الالتزام الأمريكي بحماية المصالح الوطنية، معتبرًا أن كل مسؤول يؤدي دورًا مرسومًا بدقة وموضوعية.
وتأتي زيارة ترامب المقررة في منتصف مايو وسط تحديات جيوسياسية معقدة، خاصة بعد الهجمات الأمريكية في إيران وتطورات الأوضاع في فنزويلا.
وبرزت "عقيدة دونرو" كنسخة محدثة لإعادة فرض الهيمنة الأمريكية، وتهدف في جوهرها إلى تحجيم النفوذ الصيني المتنامي في النصف الغربي من العالم.
ويجدر الذكر أن السياسة الحالية تعتمد مبدأ التفاوض الشرس مع تحاشي الصدام المباشر، خاصة في ظل وجود ضغوط اقتصادية داخلية تستوجب الهدوء على الجبهات الخارجية.
ويشرف ترامب بنفسه على هندسة هذا "الانفراج الحذر"، بينما يتولى بيسنت مهمة البناء الميداني، لمنع الصين من تحقيق طموحاتها الإمبريالية في آسيا.
فيما يعكس دور وزير الخزانة القيادي رغبة ترامب في خوض "مباراة شطرنج مالية"، إذ يرى الرئيس أن حل المعضلات المالية يسبق أي تفاهمات أخرى.
ويشير حصر ملف الصين بيد وزارة الخزانة إلى رؤية ترامب للعلاقة كملف تجاري بالدرجة الأولى، بعيدًا عن الرؤى الأمنية التقليدية الصرفة.
ويسعى ترامب من خلال الهدنة الحالية إلى كسب الوقت اللازم لتعزيز القاعدة العسكرية والصناعية الأمريكية، استعدادًا لأي مواجهة كبرى في المستقبل البعيد.
ويعتقد ألكسندر غراي أن الوصول إلى توازن تجاري يحمي المصالح الأمريكية، ويمنح واشنطن فرصة لزيادة مرونتها في وجه أي ضغوط اقتصادية صينية.
في السياق ذاته، بذلت الإدارة جهودًا دبلوماسية مكثفة، شملت لقاءات في فرنسا والكاميرون، لتهيئة الأرضية المناسبة قبل وصول الرئيس ترامب إلى العاصمة الصينية بكين. وينتقد بعض المسؤولين السابقين هذا النهج، معتبرين أن بكين تستغل أي بوادر لـ "لين الجانب" أو ضعف العزيمة الأمريكية لمواصلة التوسع والضغط.
ويبرز التناقض بوضوح مع تصريحات كبار المسؤولين مثل ماركو روبيو وجي دي فانس، الذين يصنفون الصين كتهديد وجودي وشيك للدولة الأمريكية.
وتتحول الرؤية داخل الحزب الجمهوري نحو اعتبار الصين "شبحًا أيديولوجيًا"، مما يخلق ضغطًا داخليًا من كوادر شابة تتبنى مواقف أكثر راديكالية وتشددًا.
وأشار كاس أخيرًا إلى أن ترامب، رغم تعيينه لصقور متشددين، لا يزال متمسكًا بموقفه البراغماتي الذي بدأ به منذ عام 2016.