يتجه المشهد في الحرب الروسية الأوكرانية إلى مرحلة أكثر ارتباط بتثبيت الروايات السياسية بقدر ما هو مرتبط بتطورات الميدان، خاصة أن روسيا تحاول إعادة صياغة شروط القوة قبل أي مسار تفاوضي محتمل.
وفي هذا السياق، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع مع قيادات الجيش إن "النصر في أوكرانيا مؤكد ولا يمكن إيقافه"، وذلك في مقابل تحذيرات أوكرانية من أن الأولويات الغربية بدأت تتحول نحو جبهات أخرى، بما قد يؤثر على مستوى الدعم العسكري والسياسي لكييف.
وتفتح هذه التصريحات الباب أمام روايات واجتهادات سياسية واستراتيجية، نحو مرحلة قد تكون إعادة تموضع مع تزايد الحديث عن استنزاف طويل المدى، وتغير أولويات الدعم الدولي.
وأكد فولوديمير شوماكوف، الدبلوماسي الأوكراني السابق، أن التصريحات الصادرة عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن النصر المؤكد تأتي في وقت تشير فيه المعطيات الميدانية إلى تعقيدات كبيرة في مسار الحرب، خاصة أن العمليات العسكرية لم تحقق حسم نهائي لأي طرف.
وقال في تصريح لـ"إرم نيوز"، إن القوات الأوكرانية تمكنت من إبطاء وتيرة التقدم الروسي في عدة جبهات، وهو ما أدى إلى استمرار المواجهات دون تغييرات جذرية في خطوط السيطرة.
وأضاف الدبلوماسي الأوكراني السابق، أن تطورات الميدان خلال السنوات الأخيرة أظهرت تراجعًا في نطاق السيطرة الروسية مقارنة ببداية الحرب، حيث انخفضت المساحات التي تسيطر عليها موسكو من نحو 35% إلى قرابة 20%.
وأوضح شوماكوف أن الخسائر البشرية في صفوف القوات الروسية تُقدر بأعداد كبيرة بين قتيل وجريح، مع استمرار تسجيل أرقام مرتفعة بشكل يومي، والذي يعكس طبيعة المواجهات الممتدة.
وأشار إلى أن استمرار العمليات العسكرية بهذا الشكل يفرض تحديات ميدانية متزايدة، في ظل محاولات متكررة لتحقيق تقدم في مناطق شرق أوكرانيا، خاصة مع الحديث عن هجوم ربيعي جديد.
وأضاف أن التصريحات السياسية التي تتحدث عن تحقيق النصر تتزامن مع استمرار العمليات دون توقف، في وقت لم يتم فيه إعلان حسم ميداني كامل، مؤكدًا أن مسار الحرب ما يزال مفتوحا مع استمرار العمليات العسكرية وتبادل الهجمات على مختلف الجبهات.
ومن جانبه، أشار سمير أيوب، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية، إلى أن التصريحات الروسية بشأن استمرار الحرب وتحقيق الأهداف المعلنة تأتي ضمن مسار ثابت منذ بداية العمليات العسكرية، حيث لم تُبد موسكو موافقة على وقف إطلاق النار أو تعديل شروطها الأساسية.
واستطرد قائلا: "روسيا تواصل التأكيد على ضرورة تنفيذ شروطها المتعلقة بالميدان، في ظل استمرار العمليات العسكرية، خاصة مع الحديث عن هجوم ربيعي قد يعزز من تحركاتها على الجبهات الشرقية".
وأضاف في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن التطورات الدولية، خاصة في الشرق الأوسط، تتزامن مع استمرار الحرب في أوكرانيا، ما يخلق تفاعلات متداخلة على مستوى المواقف الدولية.
وأوضح المحلل السياسي أن الدعم الأوروبي لأوكرانيا لا يزال مستمرًا، مع وجود نقاشات حول طبيعة هذا الدعم في ظل تغير الأولويات الدولية.
وأضاف الخبير في الشؤون الروسية، أن موسكو تواصل الاعتماد على مواردها في مجالات الطاقة والتجارة، إلى جانب استمرار العمليات العسكرية، الذي يتيح لها مواصلة التحركات على أكثر من مسار.
وشدد على أن المرحلة الحالية تشهد تزامنًا بين التصريحات السياسية والتحركات العسكرية، في ظل استمرار العمليات دون إعلان توقفها.
وفي المقابل، أوضح محمد العروقي، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوكرانية، أن تصريحات بوتين حول حتمية النصر، بالتوازي مع تحذيرات القيادة الأوكرانية، ترتبط بالتطورات الجارية على المستويين العسكري والسياسي، خاصة مع اقتراب مرحلة الربيع التي تشهد عادة تصعيدًا في العمليات.
وفي تصريح لـ"إرم نيوز" أكد أن هناك معطيات متعددة تحيط بالمشهد، من بينها تراجع الحضور الإعلامي للحرب في أوكرانيا، مقابل تصاعد الاهتمام الدولي بملفات أخرى، وهو ما يؤثر على وتيرة التفاعل السياسي والدعم الدولي.
وأشار إلى أن القيادة الأوكرانية عبرت عن مخاوف تتعلق بإمدادات السلاح، في ظل تصريحات صادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إمكانية إعادة توجيه الدعم العسكري إلى مناطق أخرى.
وأضاف أن هذه التصريحات تأتي بالتزامن مع استمرار العمليات الروسية وتصاعدها في بعض الجبهات، والتي تفرض ضغوطا إضافية على القدرات الأوكرانية.
وأكد أن استمرار الحرب لفترة طويلة يظل قائمًا، مع ارتباط ذلك بقدرة الأطراف على تأمين الموارد العسكرية والاقتصادية، في ظل تغيرات المشهد الدولي.