رأى خبراء سياسيون أن انتهاء الجولة الثانية من المحادثات غير المباشرة بين واشنطن وطهران في جنيف، لا يعني بالضرورة اقتراب اتفاق نهائي، بقدر ما يؤشر لانتقال الطرفين إلى مرحلة أكثر أهمية، تتداخل فيها أدوات الضغط العسكري مع حسابات التفاوض النووي.
يتزامن ذلك مع ما أشار إليه مسؤول أمريكي، بشأن أن الولايات المتحدة تدرس رفع العقوبات المالية والمصرفية، وكذلك رفع الحظر عن مبيعات النفط الإيراني، بحسب "إيه بي سي نيوز"، منوهاً، في الوقت نفسه، إلى "تقدم محرز" في المحادثات مع إيران.
بينما أعرب مسؤولون إيرانيون عن تفاؤل حذر بإمكانية التوصل إلى اتفاق، عقب جولات مفاوضات مهمة بين واشنطن وطهران بشأن البرنامج النووي الإيراني.
وبينما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أخيرًا تأييده لفكرة "تغيير النظام" في إيران، ملوحًا بإمكانية استخدام "قوة هائلة" في المنطقة، كانت وزارة الدفاع الأمريكية تدفع بحاملة طائرات ثانية نحو الشرق الأوسط، في خطوة عكست استعداداً عسكرياً متقدماً يتزامن مع مسار تفاوضي مفتوح.
فيما أكد المسؤول الأمريكي، وفقاً لـ"ABC"، أن "المراجعة أو (الدراسة) بخصوص رفع العقوبات ليست نهائية، لكنها تعكس نهج واشنطن في المفاوضات، كاستخدام الحوافز الاقتصادية أداةً لتحقيق أهداف سياسية وأمنية"، وأضاف أن الإيرانيين قالوا إنهم "سيعودون خلال الأسبوعين المقبلين بمقترحات مفصلة لمعالجة بعض الثغرات في مواقفنا"، على حد تعبيره.
وأظهرت خريطة تفاعلية حللها "إرم نيوز" انتشارًا عسكريًا واسعًا للقوات الأمريكية في الشرق الأوسط، مع اقتراب وصول أكبر حاملة طائرات في العالم إلى المنطقة، (جيرالد فورد)، بالتزامن مع تقارير تشير إلى احتمال تصعيد قريب ضد إيران.
وقال الباحث في الشؤون السياسية مجاشع التميمي لـ"إرم نيوز" إن "الضغط الأقصى الذي يتبناه ترامب ليس شعاراً سياسياً بقدر ما هو أداة تفاوضية خالصة، فقد انسحب عام 2018 من الاتفاق النووي لإعادة صياغة ميزان القوة عبر العقوبات الخانقة، لا لفتح حرب شاملة".
وأضاف أن "ترامب يميل إلى توظيف التهديد العسكري لرفع سقف الشروط، لأنه يدرك كلفة الحرب إقليمياً وانتخابياً، لكن البيئة اليوم أكثر تعقيداً من السابق، فهناك نفوذ إيراني ممتد، كما أن حرب غزة أعادت خلط الأوراق بالكامل".
وبحسب التميمي، فإن "طهران تقرأ الإشارات الأمريكية ضمن معادلة حافة الهاوية، أي تصعيد محسوب دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة"، لافتاً إلى أن "الاحتمال الأكبر هو مناورة ضغط تفاوضي، لكن الخطأ في الحسابات، خصوصاً عبر الوكلاء، قد يحول التكتيك إلى مواجهة غير مقصودة، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية".
ويتواصل التحشيد الأمريكي في الشرق الأوسط منذ أيام، مع تعزيز الوجود البحري والجوي، ونشر مدمرات مزودة بصواريخ موجهة، إلى جانب تكثيف طلعات الاستطلاع، في مؤشر على أن واشنطن تريد إبقاء كل الخيارات مفتوحة، بالتوازي مع المسار التفاوضي الجاري في جنيف.
وتؤكد طهران استعدادها لمناقشة قيود على التخصيب مقابل رفع كامل للعقوبات، لكنها رفضت ربط الملف النووي ببرنامجها الصاروخي، ما يشير إلى فجوة تفاوضية لا تزال قائمة رغم الحديث عن "مبادئ توجيهية" للجولة المقبلة.
من جهته، قال أستاذ الإعلام والأكاديمي غالب الدعمي إن "الولايات المتحدة تعتمد تاريخياً مسارين لتحقيق أهدافها، الأول هو الحوار المدعوم بالتلويح بالقوة والحرب النفسية، والثاني هو الانتقال إلى العقوبات والحصار وربما استخدام القوة إذا فشل المسار الأول".
وأضاف الدعمي أن "واشنطن استطاعت خلال الفترة الماضية تقويض نفوذ حلفاء إيران في أكثر من ساحة، من لبنان إلى سوريا، فيما يبقى التحدي الأكبر هو إيران نفسها، باعتبارها حائط الصد الأخير في هذه المواجهة الممتدة".
وتؤشر مرحلة ما بعد الجولة الثانية إلى معادلة مركبة، إذ ترفع واشنطن سقف التهديد لتحسين شروط التفاوض، فيما تلوح طهران بالردع دون الذهاب إلى مواجهة مفتوحة، في وقت تتحرك حاملات الطائرات كأداة ضغط ميداني.
غير أن المخاطر، بحسب محللين، لا تكمن في نية الحرب بحد ذاتها، بل في ديناميكيات التصعيد غير المباشر، سواء عبر ضربات محدودة، أو تحركات فصائل حليفة لإيران في ساحات متعددة، قد تدفع الطرفين إلى ردود فعل متسارعة تتجاوز حسابات التفاوض.
وبحسب دبلوماسيين أمريكيين وإيرانيين وإقليميين، أبدت إيران استعدادها لإرسال جزء من مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب وهو وقود أساسي لصنع سلاح نووي - إلى جهة خارجية مثل روسيا، ما من شأنه أن يُخفف من أحد أهم مخاوف الولايات المتحدة، وفق ما نقلت "وول ستريت جورنال".
وتشير تقديرات إلى أن الجزء الأكبر من هذا المخزون لا يزال عالقاً تحت أنقاض المنشآت النووية التي تعرضت لقصف أمريكي وإسرائيلي في يونيو الماضي.
ولا تزال الشكوك قائمة بشأن مدى جدية تناول هذه النقاط على طاولة التفاوض، وما إذا كانت المقترحات المطروحة قادرة فعلاً على إقناع واشنطن بأن المسار الدبلوماسي يمكن أن يحقق هدفه الأساسي المتمثل في منع طهران من امتلاك القدرة على تصنيع سلاح نووي.