logo
العالم

لمواجهة ترامب وبوتين.. هل باتت عودة بريطانيا للاتحاد الأوروبي خيارا حتميا؟

عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي أصبح خيارا حتمياالمصدر: غيتي

بعد 9 سنوات من البريكست، تجد بريطانيا نفسها محاصرة بين تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجمركية وطموحات نظيره الروسي فلاديمير بوتين التوسعية، في مشهد جيوسياسي يدفعها بقوة نحو الحضن الأوروبي الذي غادرته بثقة في 2016. 

الاستطلاعات، والاتفاقيات الأخيرة، وآراء الخبراء تشير جميعها إلى حقيقة واحدة: الطريق نحو أوروبا بات ضرورة إستراتيجية، لا مجرد خيار.

الخطيئة الترامبية وسقوط الوهم

حين دعم ترامب بحماس خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وعد لندن باتفاقية تجارية سريعة تعوضها عن فقدان السوق الأوروبية. لكن الواقع كان مختلفاً تماماً. 

يكشف تقرير معهد بروكينغز أن إدارة ترامب انتهجت سياسة "مفترسة" تجاه بريطانيا، مستغلة حاجتها لترتيبات تجارية جديدة بعد البريكست، وسعت إلى انتزاع تنازلات مؤلمة لم تتمكن من تأمينها حين كانت بريطانيا عضواً في الاتحاد الأوروبي.

يؤكد المعهد أن إدارة ترامب عرضت على بريطانيا صفقة أسوأ في اتفاقية "السماء المفتوحة" مقارنة بما تمتلكه كعضو في الاتحاد، وطالبت بتبني العديد من القوانين الأمريكية كشرط لاتفاقية التجارة الحرة، بما في ذلك فتح خدمات الصحة الوطنية البريطانية لشركات أمريكية - وهو مطلب مثير للجدل الشديد في المملكة المتحدة.

أخبار ذات علاقة

بعد ابتزاز ترامب… هل تصمد أوروبا؟

بعد فشل "سياسة الاسترضاء".. هل تواجه أوروبا ترامب بالقوة؟ (فيديو إرم)

تحول جذري في الوعي الشعبي

استطلاع أجراه المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، في مايو 2025، كشف عن تحول دراماتيكي في التوجهات البريطانية.

يعتقد 40% من البريطانيين أن العلاقة مع الاتحاد الأوروبي هي الأهم لحفظ أمن بريطانيا، مقارنة بـ33% فقط يعتقدون أن العلاقة عبر الأطلسي هي الأهم - في بلد عُرف تاريخياً بأولوية الناتو.

الأكثر لفتاً، أن 68% من البريطانيين يقبلون، الآن، بفتح الحدود المتبادل للسماح لمواطني الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة من جميع الأعمار بالسفر والعيش والعمل بحرية - وهو تحول صادم بالنظر إلى أن حرية التنقل كانت القضية الأكثر إثارة للجدل في السياسة البريطانية. حتى بين ناخبي "البريكست"، يؤيد 54% هذا التنازل.

الاتفاق التاريخي ومسار اللاعودة

في مايو 2025، توصلت بريطانيا والاتحاد الأوروبي إلى اتفاق تاريخي لـ"إعادة ضبط" علاقتهما، شمل تسهيلات في السفر، والعمل، والدفاع، والهجرة. رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وصفته بـ"لحظة تاريخية".

وأكدت دير لاين: "نحن نقلب الصفحة، ونفتح فصلاً جديداً في علاقتنا الفريدة". فيما قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر: "بريطانيا عادت إلى المسرح العالمي".

يشير تقرير مجلس العموم البريطاني إلى أن رئيس الوزراء دعا في فبراير 2025 إلى "شراكة طموحة للدفاع والأمن بين المملكة المتحدة، والاتحاد الأوروبي"، مع تعاون متزايد ضد التهديدات المشتركة، والجريمة العابرة للحدود، والهجرة غير الشرعية.

وفي أغسطس 2025، وقع ستارمر والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون "إعلان نورثوود"، متفقين على أنه "لا يوجد تهديد شديد لأوروبا لن يستدعي رداً من بلدينا" - في خطوة تاريخية نحو رادع نووي أوروبي مستقل.

أخبار ذات علاقة

جزر تشاغوس في المحيط الهندي

من "اتفاق تاريخي" إلى "غباء عظيم".. لماذا يهاجم ترامب بريطانيا؟

البديل الأوروبي.. واقع لا خيال

أندرو دَف، زميل أول في مركز السياسة الأوروبية وعضو سابق في البرلمان الأوروبي، يرى أن "الحجة الاقتصادية لإعادة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ليست صعبة الطرح"، مشيراً إلى أن "نفس العوامل الجيوسياسية التي دفعت أسلافه للالتفات إلى أوروبا تنطبق على ستارمر".

ويؤكد أن "السيادة الوطنية مفهوم زائف ما لم يُستخدم لتعزيز المصالح الوطنية في الخارج، ومواجهة العزلة، وإعادة توازن القوى في أوروبا لصالح بريطانيا".

من جهته يحذّر معهد كارنيغي من أن بوتين وترامب سيسعيان، كل بطريقته وأسبابه الخاصة، لاستغلال الانقسامات بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة. ويشدد على أن بروكسل ولندن بحاجة لإدراك ما هو على المحك، واتخاذ إجراءات حاسمة بدلاً من الاستسلام لتكتيكات "فرق تسد".

الخطوط الحمراء تتلاشى تدريجياً

رغم إصرار حكومة ستارمر على "خطوط حمراء" تشمل عدم العودة للسوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي أو حرية التنقل، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى تنازلات تدريجية.

وافقت الحكومة على مواءمة تنظيمية محدودة مع معايير الأغذية والزراعة الأوروبية - وهو تحول ملحوظ بالنظر للنقاش المحلي في سنوات ما بعد الاستفتاء.

يقول معهد الشؤون الدولية الإيطالي إن الاتفاق يضع الاتجاه لمزيد من التقدم، لكن الكثير يظل دون حل، وقد تستغرق المفاوضات التفصيلية في مجالات، مثل: الطاقة، والانبعاثات، والتدابير الصحية النباتية، شهوراً أو سنوات، لكنها خطوة أولى نحو تحسينات تدريجية وذات مغزى.

إستراتيجية الدفاع.. الرهان الحاسم

يشكل التعاون الدفاعي العمود الفقري للتقارب الجديد. بحسب تقرير لشبكة "سي إن إن" الأمريكية، فإن الجانبين عملا معاً بشكل متزايد على الدفاع منذ الحرب الروسية على أوكرانيا، وتعززت هذه الوحدة منذ أن هددت إدارة ترامب بسحب ضماناتها الأمنية لأوروبا وترك كييف تواجه موسكو بمفردها، مما جعل الدفاع أحد الجوانب الأقل إثارة للجدل في المفاوضات.

انضمت بريطانيا، في نوفمبر 2022، إلى مشروع التنقل العسكري ضمن التعاون المنظم الدائم للاتحاد الأوروبي، وهو خطوة مهمة تهدف لتمكين الحركة العابرة للحدود للأفراد والمعدات العسكرية في أوروبا.

الآن، ستحصل المملكة المتحدة على وصول لبرنامج دفاعي على مستوى أوروبا، مما يسمح للشركات البريطانية بالمنافسة على عقود أمنية إلى جانب المنافسين الأوروبيين.

أخبار ذات علاقة

ترامب مستخدماً هاتفه المحمول

بعد إحراج ماكرون وروته.. هل أنهى ترامب "الدبلوماسية النصية" بين القادة؟

بريطانيا بين نارين

بين سياسة ترامب "المفترسة" وتهديدات بوتين المتصاعدة، لم يعد أمام بريطانيا رفاهية الوقوف في المنتصف.

الأرقام تتحدث: مكتب مسؤولية الميزانية البريطاني يقدر أن الصادرات والواردات ستكون أقل بنحو 15% على المدى الطويل مقارنة بما لو بقيت المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي، والناتج المحلي الإجمالي أقل بنحو 5%. 

في المقابل، يظل الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأكبر لبريطانيا، حيث مثل أكثر من 50% من التجارة الخارجية للسلع البريطانية في 2024.

العودة إلى الحضن الأوروبي لم تعد مجرد خيار سياسي، بل ضرورة إستراتيجية تفرضها حقائق جيوسياسية قاسية: أمريكا ترامب لم تعد الحليف الموثوق، وروسيا بوتين تهدد النظام الأمني الأوروبي، والصين تمارس الإكراه الاقتصادي.

فبريطانيا التي خرجت من أوروبا بحثاً عن الاستقلال، تكتشف، الآن، أن الاستقلال الحقيقي لا يتحقق بالعزلة، بل بشراكات قوية مع من يشاركونها القيم والمصير.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC