وجدت أوروبا نفسها عند مفترق طرق تاريخي، بعد أن أظهرت واشنطن انسحابها الجزئي من دورها كضامن أمني لوحدة القارة واستقرارها؛ ما دفع الأوروبيين نحو خيار تأسيس "بنتاغون أوروبي" لإعادة دمج الدفاع القاري كما نجحت في دمج الاقتصاد.
وبحسب "فورين أفيرز"، فإن التهديد الروسي المتجدد يجعل الدول الأوروبية، وخصوصًا دول شرق القارة، عرضة لمخاطر مباشرة؛ إذ يمكن أن تهدد إعادة بناء الجيش الروسي وتوسيع قدراته، دولًا بأكملها بسرعة، وفي هذا السياق، يبرز العجز البنيوي للجيوش الأوروبية، التي لا تزال قواتها العسكرية موزعة على نحو غير متكامل، وكل دولة تعمل بمعزل عن الأخرى، كما أنها تعاني محدودية في معداتها وقدراتها، مع اعتماد تاريخي كامل على القوة الأمريكية لتغطية النقص، وحتى الدول ذات التقاليد العسكرية القوية مثل فرنسا والمملكة المتحدة تواجه قيودًا مالية وبيروقراطية تحول دون بناء قوة دفاعية قادرة على التصدي بشكل مستقل لأي تهديد واسع النطاق.
ويرى المحللون أن الحل الوحيد الواقعي يكمن في دمج الدفاع الأوروبي؛ إذ إن توحيد القوات، وإدارة الصناعات الدفاعية، والميزانيات المشتركة، وإنشاء قوة استجابة سريعة من دول غير أمامية، كلها خطوات أساسية لتحويل الاتحاد الأوروبي إلى "البنتاغون القارّي"، ويمتلك الاتحاد الأوروبي الحجم والموارد والاقتصاد اللازم لتحقيق هذا الهدف، كما يتمتع كذلك بخبرة كبيرة في تنسيق السياسات المشتركة في الأزمات السابقة، مثل أزمة الطاقة بعد تدمير خطوط أنابيب نورد ستريم، أو جائحة كورونا.
توحيد الدفاع الأوروبي لا يعني إلغاء الناتو أو الجيش الوطني، بل تعزيز التكامل بين الدول وتحويل الموارد والقدرات إلى قوة مشتركة يمكن أن تعمل بسرعة وفعالية، كما يتطلب الأمر تعزيز التعاون الاستخباراتي وتنسيق السياسة الخارجية لتتحدث أوروبا بصوت واحد في مواجهة أي تهديد.
وأشارت استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن نحو 80% من الأوروبيين يدعمون إنشاء سياسة دفاعية مشتركة، مؤكدين الحاجة إلى أن يصبح الاتحاد الأوروبي المسؤول الفعلي عن أمن القارة.
اليوم، لم يعد أمام أوروبا خيار سوى مواجهة التحديات الأمنية بشكل جماعي، ودمج جهودها الدفاعية ضمن هيكل اتحادي قوي؛ ما يجعل الاتحاد الأوروبي الأداة نفسها التي يمكنها أن تضمن بقاء القارة محمية ومستعدة لأي صراع محتمل، وأن تصبح أوروبا قوة مستقلة قادرة على الدفاع عن نفسها من دون الاعتماد على أي قوة خارجية.