logo
العالم

أوروبا أمام مفترق طرق.. هل يمكنها الدفاع عن نفسها دون أمريكا؟

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مارك روتهالمصدر: (أ ف ب)

أثارت تصريحات الأمين العام لحلف الناتو مارك روته أمام البرلمان الأوروبي جدلًا واسعًا عندما أكد أن أوروبا لا تستطيع الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة.

وقال روته إنه إذا كان أحد يعتقد أن الاتحاد الأوروبي يمكنه الدفاع عن نفسه بمفرده، فليستمر في الحلم. 

الرد جاء سريعًا وحاسمًا من قبل وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو: "لا يا عزيزي مارك روته. الأوروبيون يمكنهم ويجب عليهم تحمل مسؤولية أمنهم". 

هذا التبادل الحاد يعكس أزمة وجودية تواجه أوروبا في عصر التحديات الأمنية المتصاعدة، خاصة بعد أن أوضحت استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة للرئيس دونالد ترامب أن الولايات المتحدة لا تشارك حلفاءها في الناتو نفس تصورهم للتهديدات.

 

أخبار ذات علاقة

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو

"أوروبا قادرة على حماية نفسها".. فرنسا ترد على أمين الناتو

طموحات فرنسا والرؤية الأوروبية

في ديسمبر 2025، أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون عن التزام فرنسا ببناء حاملة طائرات جديدة تعمل بالطاقة النووية، في قرار يربط فرنسا بأكثر من نصف قرن من القوة البحرية المستقلة.

وفي يوليو 2025، أطلقت فرنسا مراجعتها الاستراتيجية الوطنية التي تفترض أنه بحلول عام 2030، يجب أن تكون فرنسا وحلفاؤها مستعدين لمواجهة حرب عالية الكثافة.

في هذا السياق، يرى لوي غوتييه، الأمين العام السابق للدفاع والأمن القومي الفرنسي ورئيس قسم القضايا الاستراتيجية الكبرى بجامعة السوربون، أن "توضيح العلاقة عبر الأطلسية يفرض أيضًا توضيحات للنموذج الأوروبي".

 

أخبار ذات علاقة

 الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته

الناتو: أوروبا لا تستطيع حماية نفسها بدون أمريكا

وأضاف في تحليله لمجلة "لو جران كونتينان" أن أوروبا يجب أن تتحرك بحكمة: "حتى في فرنسا التي كانت دائمًا مؤيدة ورائدة في الدفاع الأوروبي، يجب تجنب التوترات، والتقدم بالإيقاع المناسب"، محذرًا من أن هدف رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي "غير واقعي".

التكلفة الباهظة للاستقلال

من جهته أوضح روته أنه إذا أراد الأوروبيون حقًا بناء تحالف دفاعي جديد دون الولايات المتحدة، فسيكلفهم ذلك ليس 5%، بل 10% من الناتج المحلي الإجمالي، مع ضرورة بناء قدرة ردع نووي خاصة بهم.

في قمة لاهاي في يونيو 2025، اعتمد حلفاء الناتو خطة استثمار دفاعية جديدة ترفع المستوى المرجعي للاستثمارات الدفاعية إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى لم يحققه العديد من الدول بالكاد بنهاية عام 2025 عند مستوى 2%، وفقًا لالتزام اتخذ قبل عشر سنوات.

تهدف خطة إعادة تسليح أوروبا بقيمة 800 مليار يورو (حوالي 6% من الناتج المحلي الإجمالي الأوروبي) إلى تغيير قواعد اللعبة.

ووفقًا لتقديرات خبراء المركز الفرنسي للدراسات المستقبلية والتفكير في العمل العسكري، فإن حلف الناتو يتجه لتحديد هدف جديد للإنفاق العسكري يصل إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030 (مقسمة إلى 3.5% للدفاع الأساسي و1.5% للأمن الموسع)، وهو ما يعني أن أوروبا ستحتاج لإنفاق 900 مليار يورو إضافية، منها 270 مليار لألمانيا وحدها".

 

أخبار ذات علاقة

قاذفات "تو-22 إم 3" الروسية

طلعات جوية فوق البلطيق.. روسيا تعيد رسم خطوط المواجهة مع "الناتو"

التحديات الهيكلية الكبرى

تعتقد فرنسا أن إنتاج الأسلحة وسلسلة توريد الأسلحة لأوكرانيا يجب أن تكون أوروبية، بينما تعارض ألمانيا وهولندا وبولندا هذا الاقتراح، ما يشكل عائقًا كبيرًا أمام تحقيق الوحدة الصناعية الدفاعية.

في سياق "مثلث فايمار" (فرنسا-ألمانيا-بولندا)، قال الجنرال إريك أوتيليه، المدير العام السابق للقوات الجوية الفرنسية، في تصريحاته خلال منتدى باريس للدفاع والاستراتيجية 2025 (PDSF)، إنه "يجب أخذ الوقت الكافي، يمكننا التحضير وتطوير صناعتنا، لكن يجب أن تكون لدينا رؤية جماعية، وتحديد واضح للتهديد وتحديد استراتيجية للتحضير". 

ويضيف أوتيليه أنه "بالنظر إلى النقاط الجغرافية، نلاحظ تكاملًا واضحًا إلى حد ما. ومع ذلك، يختلف فهمنا للتهديد"، مشيرًا إلى أن "جيوشنا لديها أهداف مختلفة حاليًا".

من جانبه، يؤكد ماركوس بيريستريلو، الرئيس البرتغالي للجمعية البرلمانية للناتو، في كلمته بنفس المنتدى أن "العلاقة عبر الأطلسية لن تكون كما كانت، لكن يجب علينا الاستمرار في الإيمان بها".

ويضيف: "أوروبا أقوى داخل الناتو ضرورة"، معتبرًا أن "التحالف سيبقى حجر الزاوية لأمننا: أمن أوروبا، ولكن أيضًا أمن أمريكا الشمالية".

كما أن إنتاج الذخيرة وقطع الغيار لا يزال متخلفًا عن المتطلبات الأوكرانية، إضافة إلى الفجوة التكنولوجية، فأوروبا لا تزال تعتمد بشكل كبير على الموردين من خارج الاتحاد الأوروبي للتقنيات الرئيسة، ما يثير مخاوف بشأن الاستقلالية الاستراتيجية.

 

أخبار ذات علاقة

مقر الناتو

بالذكاء الاصطناعي.. "الناتو" ينشئ منطقة دفاعية "مؤتمتة" على حدود أوروبا

الفجوة بين الخطاب والقدرات

السؤال المحوري، كما يطرحه المحللون، هو ما إذا كانت أوروبا يمكنها سد الفجوة بين خطابها وقدراتها.

برامج الاتحاد الأوروبي الصناعية الجديدة تهدف إلى زيادة الإنتاج الدفاعي، لكن سيستغرق الأمر سنوات قبل أن يصل الإنتاج إلى المستويات المطلوبة لتعويض عقود من نقص الاستثمار. 

يخلص لوي غوتييه إلى أن "الشرط الأساسي المسبق هو وقف القتال"، ويدعو إلى "بناء مصداقية استراتيجية أوروبية" حقيقية.

ويبدو الطريق نحو الاستقلال الدفاعي الأوروبي ممكنًا نظريًا، لكنه محفوف بالتحديات عمليًا، وسيتطلب إرادة سياسية استثنائية، واستثمارات مالية ضخمة، وتضحيات اجتماعية كبيرة قد لا تكون الشعوب الأوروبية مستعدة لتحملها في ظل الانقسامات الداخلية والتحديات الاقتصادية الراهنة.

 

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC