logo
العالم

طلعات جوية فوق البلطيق.. روسيا تعيد رسم خطوط المواجهة مع "الناتو"

قاذفات "تو-22 إم 3" الروسيةالمصدر: رويترز

أكد خبراء، أن الطلعات المتكررة لقاذفات "تو-22 إم 3" الروسية فوق منطقة البلطيق تمثل انتقالاً واضحاً في طبيعة المواجهة بين موسكو وحلف شمال الأطلسي "الناتو" نحو ردع استعراضي عالي المخاطر، في واحدة من أكثر مناطق الحلف حساسية.

وأضافوا لـ"إرم نيوز"، أن هذه القاذفات ليست مجرد استعراض عسكري، بل منصات ردع ثقيلة قادرة على محاكاة ضربات محتملة على عمق دول الناتو الشمالية، واختبار جاهزية أنظمة الإنذار المبكر وخطوط الإمداد الجوية والبحرية.

واجهة التوتر

وأعاد تنفيذ روسيا دورية جوية جديدة في المياه المحايدة للمنطقة، مستخدمة قاذفات استراتيجية من طراز "تو-22 إم 3"، برفقة مقاتلات "سو-35 إس" و"سو-30 إس إم"، منطقة بحر البلطيق إلى واجهة التوتر العسكري بين موسكو و"الناتو".

واستمر تحليق "تو-22 إم 3"، التي تُعد واحدة من أبرز أدوات الردع الجوي الروسي، لأكثر من 5 ساعات، تخللته مرافقة من مقاتلات تابعة لحلف "الناتو" خلال أجزاء من مسار الرحلة، وفق تقارير متخصصة.

أخبار ذات علاقة

تدريبات عسكرية لقوات الناتو

حصن جديد ضد روسيا.. كيف أصبحت السويد "درع الناتو" في بحر البلطيق؟

وتكتسب هذه الطلعات حساسية مضاعفة بالنظر إلى الطبيعة الجغرافية والسياسية للبلطيق، حيث لا تمتلك دول البلطيق الثلاث، لاتفيا وليتوانيا وإستونيا، قدرات جوية قتالية خاصة بها، بينما يعتمد أمنها الجوي على الانتشار الدوري لمقاتلات "الناتو".

ووفقاً للمراقبين، غالبًا ما تُزود هذه القاذفات بصواريخ "كروز كيه إتش-32" بعيدة المدى، القادرة على بلوغ سرعة تصل إلى 5 ماخ، وبمدى اشتباك يقارب 1000 كيلومتر، ما يجعلها تهديداً مباشراً للأساطيل والقواعد المتقدمة.

الردع الاستعراضي

وقال الخبير العسكري العميد نضال زهوي، إن الطلعات المتكررة لقاذفات "تو-22 إم 3" الروسية فوق منطقة البلطيق تعكس انتقال المواجهة بين موسكو و"الناتو" إلى مستوى متقدم من الردع الاستعراضي عالي المخاطر، مشيرًا إلى أن البلطيق لم يعد ساحة ضغط سياسي، بل تحوّل إلى خاصرة أمنية شديدة الحساسية للحلف الأطلسي.

وأوضح لـ"إرم نيوز" أن "تو-22 إم 3" ليست منصة رمزية، بل أداة ردع ثقيلة ذات قدرات عملياتية حقيقية، قادرة على حمل صواريخ كروز تقليدية ونووية، واختراق الدفاعات الجوية، وتنفيذ ضربات بحرية وبرية، بما يمنح موسكو قدرة فعلية على تهديد الأساطيل والقواعد المتقدمة.

وأشار الخبير العسكري زهوي إلى أن تحليق هذا النوع من القاذفات فوق البلطيق يعني عمليًا محاكاة ضربات محتملة على عمق دول الناتو الشمالية، واختبار زمن الاستجابة وأنظمة الإنذار المبكر، فضلًا عن توجيه رسالة مباشرة بأن روسيا قادرة على تهديد خطوط الإمداد الجوية والبحرية في أي لحظة.

وذكر أن حساسية المنطقة تعود لاحتضانها دول البلطيق الثلاث، ووجود ممر "سوالكي" الحرج، وقربها من كالينينغراد، القاعدة الروسية المتقدمة، ما يجعل أي نشاط جوي روسي تصعيداً منخفض العتبة لكنه عالي الخطورة، وقابلًا للتحول إلى حادث غير محسوب خلال دقائق.

ولفت الخبير العسكري إلى أن هذه الطلعات تحمل رسائل سياسية واضحة، أبرزها رفض موسكو لفكرة "الأمن الأطلسي المتفوق"، وتحذيرها من كلفة توسع الناتو شمالًا، خاصةً بعد انضمام فنلندا والسويد، إلى جانب رسالة داخلية روسية تؤكد القدرة على المبادرة وعدم الاكتفاء بالدفاع.

رسائل سياسية وعسكرية

من جانبه، أكد كارزان حميد، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوروبية، أن تراجع الدور الأمريكي في أوروبا، وتصاعد هجوم الرئيس دونالد ترامب على التكتل الأوروبي، أسهما بشكل غير مباشر في توسيع هامش الحركة العسكرية الروسية على الحدود الشرقية للقارة، في رسالة مفادها أن أوروبا من دون واشنطن تفتقر إلى الغطاء الاستراتيجي الكافي.

وبيّن حميد لـ"إرم نيوز" أن الطلعات الجوية الروسية فوق بحر البلطيق، والتي وصفتها موسكو بأنها "مُجدولة"، حملت رسائل سياسية وعسكرية مباشرة إلى بروكسل، مفادها أن الاعتماد الأوروبي المطلق على الولايات المتحدة بات موضع شك في المرحلة الراهنة.

وأضاف حميد، أن "المشكلة لا تكمن في الرسائل الروسية بحد ذاتها بل في كيفية تلقيها أوروبيًا في ظل انشغال القادة الأوروبيين بخلافاتهم مع واشنطن، دون إعادة تقييم جادة لموقعهم الاستراتيجي أو خياراتهم الأمنية".

أخبار ذات علاقة

مقر الناتو

بالذكاء الاصطناعي.. "الناتو" ينشئ منطقة دفاعية "مؤتمتة" على حدود أوروبا

وأشار إلى أن بروكسل لا تزال تراهن على المظلة الأمريكية، رغم تزايد مؤشرات التباعد، معتبرًا أن هذا الرهان لم يعد مضمون العواقب، خاصة مع تعامل الإدارة الأمريكية الحالية مع أوروبا من منطلق اقتصادي نفعي أكثر منه تحالفاً استراتيجياً.

وأوضح المحلل السياسي، أن الاعتماد الاقتصادي الأوروبي العميق على الولايات المتحدة، خاصة في مجالات التكنولوجيا والبيانات، يقيد قدرة بروكسل على اتخاذ مواقف مستقلة، ويجعل أي رد أوروبي قوي على واشنطن أو موسكو محدود الفاعلية.

مسافات بعيدة

بدوره، قال الدكتور نبيل رشوان، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية، إن طائرات "تو-22 إم 3" تُستخدم بالأساس في مهام استطلاعية، مشيرًا إلى أن هذا الطراز سبق إسقاط إحدى طائراته في الأجواء السورية خلال فترات سابقة.

وأضاف لـ"إرم نيوز"، أن مسؤولاً أوروبياً بارزاً شغل منصباً رفيعاً في إحدى دول البلطيق صرح مؤخرًا بأن أوروبا تعيش فعليًا حالة حرب مع روسيا، واصفًا هذا التصريح باللافت في توقيته ودلالاته السياسية.

ولفت رشوان إلى أن الطائرات الروسية، ولا سيما "تو-22"، لا تحتاج إلى اختراق الأجواء السيادية لدول البلطيق لتنفيذ مهامها، إذ تعمل من مسافات بعيدة وبأسلوب يشبه نمط طائرات الاستطلاع الأمريكية.

ورأى أن هذه التحركات الجوية تندرج في إطار سياسة الاستفزاز والتصعيد المتبادل، أكثر من كونها مؤشراً على استعداد لعمل عسكري مباشر، مؤكدًا أن روسيا لا تمتلك نية لغزو أوروبا بريًا، وأن أي مواجهة محتملة ستظل محصورة في ضربات صاروخية بعيدة المدى دون الانزلاق إلى عمليات تقليدية واسعة.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC