أكد خبراء في الشؤون الإيرانية، أن القدرات "المركبة" للحكم في طهران، ما بين نفوذ قوات أمنية على رأسها "الباسيج" مع سيطرة منظومة دينية أقرب إلى "الشبكة المتحكمة" في السلطة والشارع معًا، بأحكام ذات مرجعية "جهادية"، تجعل انهيار النظام في ظل الاحتجاجات القوية التي اندلعت مؤخرًا، أمرا صعبا.
وأوضحوا في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن الدولة العميقة في إيران مؤثرة للغاية، وتعمل على ربط كافة المؤسسات مع بعضها؛ ما يجعل المنظومة باقية حتى في حال استهداف رأس السلطة، في ظل تعقيدات قائمة على السلطة الدينية المؤثرة في كل مفصل من مفاصل الدولة، سواء أكان في المؤسسات أم على المستوى الشعبي.
وأفادت صحيفة "واشنطن بوست" في تقرير جديد بتصاعد الدور المحوري لقوات "الباسيج" في القمع الميداني والعنف المنظّم ضد المواطنين، خلال الاحتجاجات العامة للإيرانيين، موضحة أنه رغم قطع الاتصالات والإنترنت في إيران، فإن الأدلة التي جمعها نشطاء حقوق الإنسان وصحفيون، إلى جانب صور الأقمار الصناعية، تُظهر أن السلطة اعتمدت في نطاق واسع على قوات الباسيج .
وتمتلك قوات الباسيج تأثيرًا ونفوذًا كبيرين في الشارع الإيراني، في ظل ما لديها من شبكة واسعة في جميع أنحاء البلاد وصولًا إلى القرى حيث تستخدم المساجد والمؤسسات الدينية كمقر لها وتفرض سلطتها بجانب تجنيدها لأفراد عاديين بأعداد كبيرة؛ ما يجعل سيطرتها حاضرة.
وقال الخبير في الشأن الإيراني، الدكتور أحمد الياسري، إن النظام في إيران لا يشبه بقية أنظمة الحكم في العالم، إذ يقوم على تركيبة معقّدة تعتمد على أكثر من آلية حكم، تقودها منظومة دينية تعمل كشبكة تتحكم بالسلطة والشارع معًا، مستندة إلى أحكام ذات مرجعية "جهادية".
وأوضح أن هذه البنية تستند إلى قوة أمنية واسعة الانتشار داخل المجتمع، بعضها منخرط بين الناس ويمارس تأثيرًا مباشرًا، وهو ما يتجلى في قوات "الباسيج" المتداخلة مع مختلف الفئات الاجتماعية وتضطلع بدور رئيسي في ضبطها، إلى جانب كيانات عسكرية تتصدرها قوات الحرس الثوري، التي تتولى ربط وإدارة حركة المؤسسات كافة.
وتابع الياسري، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أنه وفق حسابات بقاء الأنظمة، كان من الصعب أن يصمد النظام الإيراني بعد عام 2023 في ظل العقوبات القصوى، ولا سيما مع انهيار العملة الوطنية، الذي غالبًا ما يؤدي إلى تفكك الدولة في ظل حصار خانق.
غير أن عدم حدوث ذلك، رغم حجم الصعوبات غير المسبوقة، يعود – وفق الياسري – إلى معادلة "النظام المركّب"، الذي لا يقوم على دينامية حكم واضحة أو ثابتة.
وأوضح أن تركيبة النظام قائمة على مؤسسات أساسية وأخرى رديفة ولكن الكل يعمل من أجل بقاء السلطة، لافتًا إلى أن الباسيج هو في الأساس، فرقة من فرق الحرس الثوري كانوا بمثابة متطوعين شعبيين بعد الحرب العراقية ومع انتهائها وجدوا أنهم لم يصبح لهم دور، وحينئذ قاموا بتحويلهم إلى شرطة داخلية لحفظ النظام.
واستطرد الياسري بأن الباسيج عبارة عن كتل منظمة وظيفتها أنه عندما يتعرض النظام لعملية ضغط يعيدون تنظيم أنفسهم وينزلون إلى الشوارع لضبطها وهم يستخدمون العنف إلى أعلى درجة باسم السلطة الدينية، وهذا جانب من أشكال النظام المركب.
ويشير الياسري إلى أن صعوبة انهيار هذا النظام تعود إلى أنه لا يعتمد على آلية واحدة يمكن أن تسقط باستهدافها، بل يعمل عبر منظومة من الآليات والمؤسسات المتعددة، الرئيسية منها والبديلة، على المستويات السياسية والعسكرية والأمنية، وفي صدارتها الحرس الثوري.
ويوضح أن هذا التعقيد يتجسد جزئيًّا في توزيع السلطة والقرار بين عدة كيانات، أبرزها مجلس صيانة الدستور، ومجلس الخبراء، ومجلس الشورى، إلى جانب الحكومة، فيما تقود هذه المنظومة برمتها "دولة عميقة" ترتبط بشكل مباشر بالمرشد.
وأفاد بأن الدولة العميقة في إيران مؤثرة للغاية، وتعمل على ربط هذه المؤسسات مع بعضها، حيث من الممكن أن يُستهدف رأس النظام ولكن تبقى المنظومة في طور العمل لأنه يستخدم فكرة اللامركزية في الإدارة، والتي يحيط بها تعقيدات قائمة على السلطة الدينية المؤثرة في كل مفصل من مفاصل الدولة، سواء كان في المؤسسات أو على المستوى الشعبي.
ونتيجة لذلك، يقول الياسري، إن إيران تعرضت لعقوبات قصوى، وحروب مدمرة، واستهداف لقيادات مؤثرة، دون أن يؤدي ذلك إلى سقوط النظام. كما واجهت البلاد حشودًا عسكرية وضغوطًا خارجية، إلى جانب موجات احتجاج داخلية واسعة ومعارضة تنشط في الخارج، ومع ذلك ظل النظام قائمًا.
من جانبه يؤكد الباحث في الشأن الإيراني، الدكتور محمد المذحجي، أن الضغط الشعبي وحده لا يكفي لإسقاط أي نظام حكم، مشيرًا إلى أن الوضع في إيران يُعد أكثر تعقيدًا مقارنة بدول أخرى، في ظل وجود منظومة أمنية شديدة القبضة تستند إلى مرجعية دينية.
ويوضح أن هذه المرجعية تُضفي بعدًا شرعيًّا على السلطة؛ ما يجعل الخروج عليها مُحرّمًا دينيًّا من منظور النظام، ويمنحه مبررًا لقمع أي اعتراض أو احتجاج شعبي، باعتباره خروجًا على حكم يُقدَّم بوصفه مطلقًا.
ويرى في تصريحات لـ"إرم نيوز"، صعوبة في التوقع بتغيير النظام طالما المؤسسات الأمنية القمعية حاضرة للدفاع عنه والدليل على ذلك، أن حكم الشاه القوي، لم يسقط في عام 1979 إلا عندما رفض جزء من الجيش الانصياع لأوامره، وذهبوا لمساعدة المحتجين لإسقاط النظام.
واعتبر المذحجي أن سقوط أي نظام لن يحدث من دون دعم من مؤسسات أمنية أو عسكرية للمحتجين، لافتًا إلى أن غياب هذا العامل يجعل التغيير من الداخل بالغ الصعوبة.
وأضاف أن هناك مسارًا آخر يتمثل في التدخل الخارجي، الذي قد يسهم في إضعاف سلطة تعاني حالة عدم رضا شعبي.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تواصل ممارسة ضغوط على النظام الإيراني وفق شروطها، في ظل تصاعد الحديث عن ضربة أمريكية محتملة خلال الفترة المقبلة، تزامنًا مع ذكرى انتصار ثورة الخميني، ومع استمرار تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن محاسبة المسؤولين عن قتل المتظاهرين.
وبيّن المذحجي أن تأثير قوات الباسيج مرتفع، في ظل امتلاكها شبكة واسعة الانتشار في مختلف أنحاء إيران، بما في ذلك القرى، حيث تعتمد على المساجد والمؤسسات الدينية كمقار لنشاطها، وتفرض حضورها من خلالها.
وأضاف أن هذه القوات تعتمد على تجنيد أعداد كبيرة من المدنيين؛ ما يعزز قدرتها على بسط السيطرة الميدانية، فضلًا عن توظيف المناسبات والمناسك الدينية في تجميع عناصرها وتنظيم تحركاتهم في أكثر من اتجاه وفي أوقات مختلفة.
وأشار الباحث في الشأن الإيراني، إلى أن "الباسيج" تتمتع أيضًا بمستوى عالٍ من التدريب، خصوصًا في التعامل مع حالات الطوارئ، سواء أكانت طبيعية أم سياسية، مثل الاحتجاجات.