دخلت الاحتجاجات الشعبية الواسعة في إيران أسبوعها الثاني، فارضة ضغوطًا جديدة على النظام الذي يواجه نُذر حرب إسرائيلية جديدة، وتضعه للمرة الأولى أمام تحدٍّ مزدوج أكثر تعقيدًا في الداخل والخارج.
ويبدو أن النظام الإيراني قد وصل إلى طريق مسدود في معالجة كلا الأمرين، بحسب تحليل لصحيفة "نيويورك تايمز"، إذ لا توجد إستراتيجية واضحة لعكس الانهيار الاقتصادي الذي يغذي الاحتجاجات، ولا توجد أي مؤشرات على أن قادة إيران مستعدون لتقديم تنازلات كافية بشأن برنامجهم النووي.
ولا تزال طهران تعاني تداعياتِ الحرب التي شنتها إسرائيل في يونيو/حزيران الماضي، والتي استمرت 12 يومًا، وشهدت قصف الولايات المتحدة لمواقع نووية في إيران.
ووفق تقرير لوكالة "أسوشيتد برس" الأمريكية، فقد أدّى الضغط الاقتصادي، الذي اشتد منذ سبتمبر/أيلول عندما أعادت الأمم المتحدة فرض عقوبات على إيران بسبب برنامجها النووي، إلى انهيار حاد في قيمة الريال، حيث يُتداول حاليًّا بنحو 1.4 مليون ريال مقابل دولار واحد.
وجاء كل ذلك وسط انحسار غير مسبوق في النفوذ بالمنطقة، إذ تعرّض "المحور الإيراني"، وهو تحالف من الدول والجماعات المسلحة المدعومة من طهران، لهزيمة ساحقة في السنوات التي تلت بدء حرب إسرائيل وحماس في 2023.
واكتسب تهديد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لإيران بأنه إذا "قتلت طهران المتظاهرين السلميين بعنف" فإن الولايات المتحدة "ستتدخّل لإنقاذهم"، معنى جديدًا بعد أن ألقت القوات الأمريكية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الحليف القديم لطهران.
للأسبوع الثاني على التوالي، تواصل مدن ومحافظات إيران الانتفاض مع تطوّر نوعي باستخدام السلاح المضاد ضد قوات الأمن، في وقت امتدت فيه الاحتجاجات إلى أكثر من 220 موقعًا في 26 محافظة من أصل 31.
وبينما قُتل نحو 20 متظاهرًا على الأقل إضافة إلى مئات الجرحى والمعتقلين، بحسب أرقام وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان، ومقرها الولايات المتحدة، فإن قلق النظام الإيراني يتزايد وسط تقارير غربية تؤكد أن هذه الانتفاضة، رغم أنها أصغر حجمًا من أخريين سابقتين في 2022 و2019، فإنها تثير قلق كبار المسؤولين.
ووفق علي غولهاكي، وهو محلل سياسي متشدّد في إيران، فإن الوضع الاقتصادي المتردي لعب دورًا محوريًّا في سقوط قادة فنزويلا وسوريا؛ ما أدى إلى حالة من السخط الشعبي وانهيار معنويات قوات الأمن.
وتنقل "نيويروك تايمز" عن غولهاكي أن "الدرس المستفاد لإيران هو ضرورة توخي الحذر الشديد لِئلا يتكرر السيناريو ذاته هنا"، مضيفًا أنه "عندما تكافح شرطة مكافحة الشغب وقوات الأمن والجيش من أجل لقمة عيشهم، تنهار خطوط الدفاع".
وأدى انهيار الريال إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية في إيران، حيث ارتفعت أسعار اللحوم والأرز وغيرهما من المواد الغذائية الأساسية، في وقت تعاني فيه البلاد من معدل تضخم سنوي يبلغ نحو 40%.
وفي ديسمبر/كانون الأول، فرضت إيران نظامَ تسعير جديدًا للبنزين المدعوم وطنيًّا؛ ما أدى إلى رفع سعر بعض أرخص أنواع البنزين في العالم وزيادة الضغط على السكان. وقد تسعى طهران إلى زيادات أكبر في الأسعار مستقبلاً، إذ ستُراجع الحكومة الأسعار كل ثلاثة أشهر.
وبدأت الاحتجاجات أولاً بين التجار في طهران قبل أن تنتشر على نحو متسارع، وبينما ركزت في البداية على القضايا الاقتصادية، سرعان ما شهدت المظاهرات هتافات مناهضة للحكومة.
وتصاعد الغضب في السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد وفاة الشابة مهسا أميني، البالغة من العمر 22 عامًا، عام 2022 أثناء احتجازها لدى الشرطة؛ ما أشعل فتيل مظاهرات في جميع أنحاء البلاد.
لكن ما يقلق قادة إيران من هذه الاحتجاجات، بحسب "أسوشيتد برس" أنها تأتي وسط "لحظة شك" تواجه نفوذ إيران في المنطقة التي خسرت أبرز أضلع محورها الذي تنامى بعد غزو أمريكا للعراق في 2023، إذ شهدت السنوات الثلاث الأخيرة بداية التداعي.
وأنهكت إسرائيل حركة حماس في الحرب المدمّرة على قطاع غزة، أما ميليشيا حزب الله في لبنان، فقد قُتل جل قادته ويعاني منذ ذلك الحين.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2024، أطاح هجوم خاطف بحليف إيران القديم وداعمها في سوريا، الرئيس بشار الأسد، بعد سنوات من الحرب هناك، كما يتعرض المتمردون الحوثيون المدعومون من طهران في اليمن لحملة إسرائيلية وأمريكية شديدة أضعفت قبضتهم على الحكم في العاصمة صنعاء.
أما على صعيد تحالفاتها مع الدول، فقد ظلّت الصين مشتريًا رئيسيًّا للنفط الخام الإيراني، لكنها لم تقدم دعمًا عسكريًّا علنيًّا، وكذلك فعلت روسيا، التي اعتمدت على الطائرات الإيرانية المسيرة في حربها على أوكرانيا.
تحاول الحكومة الإيرانية تقديم تنازلات اقتصادية محفوفة بالمخاطر في محاولة منها لتلبية المطالب المتصاعدة للمتظاهرين الساعين إلى تغيير سياسي جذري، وقمع الفساد، وتخفيف الضغط على مستويات معيشة الفقراء، وفق تقرير لصحيفة "الغارديان" البريطانية.
وقد يؤدي تغيير نظام دعم العملات الأجنبية الذي أعلنه الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان إلى ارتفاع مؤقت في أسعار المواد الغذائية، إلا أنه من المتوقع تخفيف هذا الارتفاع من خلال نظام جديد للدعم المباشر للمستهلكين.
وكان الدعم يُقدم سابقًا للمستوردين عبر دعم سعر الصرف، إلا أن هذا النظام، الذي استمر لعقد من الزمن، كان عرضة للفساد والتلاعب.
لكن "وعد الإصلاح" أظهر في المقابل حجم الشرخ في النظام الإيراني بين الإصلاحيين والمتشددين، إذ سرعان ما ردّ رئيس السلطة القضائية الإيرانية، غلام حسين محسني إجي، على تلك الأنباء بأن عهد "التنازلات والاسترضاء" للمتظاهرين قد ولّى.
واتّهم إجي الولايات المتحدة وإسرائيل بدعم "الفوضى" في إيران علنًا وبشكل رسمي، وقال إنه بسبب هذا الدعم، "يجب أن يعلم مثيرو الشغب أنه إذا قُدّمت تنازلات في الفترات السابقة، فلن تكون هناك تنازلات واسترضاءات أخرى".
وكان ترامب جدّد تعهده بأن الولايات المتحدة ستدافع عن المتظاهرين في حال تعرضهم للهجوم، مؤكدًا أنه إذا "قتلت طهران متظاهرين سلميين بعنف"، فإن الولايات المتحدة "ستتدخل لإنقاذهم".
ومع تأكيد تقارير غربية أن هذه الانتفاضة قد تكون "حاسمة" في مستقبل النظام الإيراني، كشف تقرير لصحيفة "التايمز" البريطانية عن المرشد الأعلى، علي خامنئي، أنه يستعد لسيناريو "الهروب" إلى موسكو على غرار حليفه السابق، الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد.
وبحسب التقرير البريطاني، من المتوقع أن يغادر خامنئي طهران برفقة دائرة صغيرة تضم نحو عشرين مستشارًا وأفرادًا من عائلته، إذا ما اتضح له أن الجيش وقوات الأمن، بقيادة الحرس الثوري، لم تعد تطيع أوامره.
كما أُشار التقرير إلى أن خطة الهروب تستند إلى نموذج الهروب الخاص ببشار الأسد، وأنه في الأيام الأخيرة تجري استعدادات غير اعتيادية في قمة القيادة الإيرانية، حتى إن أحد أعضاء البرلمان البريطاني ألمح إلى أن مسؤولين كبارًا في النظام يجرون اتصالات مع أجهزة استخبارات أجنبية بشأن مستقبلهم الشخصي.