أكد خبراء في العلاقات الدولية، أن القمع المتبع وقتل المتظاهرين في الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة، بجانب انشقاقات في الحرس الثوري والباسيج وصراع الأجنحة في الحكم، يعطي مقدمات مشهد ما سموه "انهيار جدار برلين ولكن في طهران".
وبينوا في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن النظام الإيراني يخسر أركانه، ما بين الحوزات ورجال الدين وولاية الفقيه التي تخلخلت وضربت في مقرها في مدينة قم، والانقسام بين أعمدة السلطة وفي صدارتهم الحرس الثوري، الذين يعملون مشتتين بين سيناريوهات منها تنحي المرشد مع تكوين قيادة جديدة منهم.
وجاء سقوط جدار برلين في عام 1989، بانفجار سكان ألمانيا الشرقية في ظل الحكم الشمولي، لكسر الحائط الفاصل بينهم وبين الارتماء في أحضان الحرية والعيش في ألمانيا الغربية حينئذ، وهو ما يتكرر مع التصدعات والهشاشة التي تأخذ أوجه عدة في قلب نظام خامنئي، وفرض القوالب الدكتاتورية، في ظل الجوع والوضع الاقتصادي الخانق الذي يعيش فيه الإيرانيون.
وكان أكد مراقبون في وقت سابق، أن عام 2026 يجسد حالة "اختلال الموازين" الكبرى داخل بنية النظام الإيراني؛ حيث أدى الصراع المستعر بين الإصلاحيين والمحافظين إلى وضع السلطة في مواجهة "الرمق الأخير"، في ظل تمسك "الصقور" بإحكام القبضة على الشارع وعدم توفير الحد الأدنى للمعيشة اليومية والحياة الاجتماعية.
وأشارت تقارير مؤخرا، إلى أن الصدام بين المحافظين والإصلاحيين، كان يراقبه الشارع في عام 2025، الذي كان يوحي بالمساهمة في انفجار الشارع الذي يعاني، في وقت حاول أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران، علي لاريجاني، ضبط الميزان بين الصقور والحمائم، ولكنه فشل في ذلك.
ويقول أستاذ الدراسات الإيرانية، الدكتور نبيل الحيدري، إن هذا النظام كان يعتمد على عدة أركان مساندة له من بينهم "البازار" الذي انفجر وخرج ضده وبقوة وانطلق من قلب طهران لينتقلوا إلى المدن ومن ثم إلى الأقليات، ليسقط الركن الأول.
وأفاد الحيدري في تصريحات لـ"إرم نيوز"، بأن الركن الثاني الذي كان يعتمد عليه النظام وهو الحوزات ورجال الدين وولاية الفقيه تخلخل وقد ضُرب في عدة مواقع وعلى رأسها مدينة قم التي رفعت شعارات ضد خامنئي وتدعو لموته وتحرق صوره، والركن الثالث هم الشباب الذي كان يظن النظام أنه بتعاليم وممارسة الولاية عليه سيكون سندا له ولكن المفاجأة أنه كان أول من انقلب عليه.
واعتبر الحيدري أن الركن الأهم الذي يسرع بانهيار هذا النظام، هو الحرس الثوري في ظل انقسام كبير حيث أصبح الجزء الأكبر منه ضد المرشد إلى درجة وصل به الحال أن حسن روحاني ومحمد جواد ظريف، أكدا ضرورة تبديل خامنئي؛ ما نتج عنه وضعهم تحت الإقامة الجبرية في وقت يذهب آخرون من القيادات داخل الحرس الثوري إلى العمل على أن يتنحى المرشد مع تكوين قيادة جديدة منهم.
وأوضح الحيدري أنه يجب الوضع في الاعتبار أن الحرس الثوري ذاته منقسم منذ سنوات وهناك تورط من أركان مهمة بداخله بمحاولة اغتيال المرشد قبل سنوات؛ مما دفع بسجن عدد كبير منهم فضلا عما ظهر مؤخرا مع حرب الـ12 يومًا، بأن عددًا كبيرًا من أعضاء هذا الجهاز يعملون بالتجسس لصالح إسرائيل وقدموا معلومات عن القيادات الكبرى التي استهدفت في يونيو الماضي.
وبحسب الحيدري، لم يحدث هذا السقوط للعملة في تاريخ إيران بهذا الشكل؛ ما يعيد مشهد تكرر عند انهيار الدول الشيوعية القمعية التي خنقت شعوبها مقابل رغيف الخبز وفي النهاية جاع الشارع فخرح ليكسر السور؛ وهذا ما جرى مع جدار برلين من ألمانيا الشرقية الشيوعية إلى الغربية قبل توحدهم.
وبدوره، يؤكد أستاذ العلاقات الدولية، الدكتور عبد المسيح الشامي، أن الوضع الداخلي في إيران بات مفككا ولا يمكن أن يكون كل هذا الغضب الشعبي والأحداث الدامية وإصرار الناس على الخروج للموت، في وقت لم يصبح الصراع بين أقطاب السلطة الإصلاحيين والمتشددين فقط، بل بات هناك تيار شعبي من خارج الحكم، يتمثل في نخب وقيادات مدنية تثور على السلطة، وهؤلاء لهم مؤيدون "خفيون" داخل النظام.
وأردف الشامي في تصريح لـ"إرم نيوز" أن تشبيه ما يجري في إيران بمقدمات على شاكلة سقوط جدار برلين قريب إلى حد بعيد، حيث إن نظام الملالي بنى حائطًا بينه وبين الشعب، عبر فرض تعاليم دينية عقائدية متشددة، ليخرج جانب كبير من المتظاهرين لتكسير هذه "التابوه" في وقت يعانون فيه أساسا من الجوع والضيق المعيشي.
واستكمل الشامي أن أول الضربات لجدار هذا النظام كانت من سنوات عبر غضب النساء على فرض الحجاب والذهاب إلى إسقاط هذه القيود وصولًا إلى رفض هذه الحواجز غير المنطقية، وذلك في وقت يخرج فيه "المارد" وهو جيل جديد من المعارضة، البعيدة عن شركاء الماضي البعيد مع نظام الخميني وباتوا في عداوة أو حتى مشهد ولي العهد.
واستطرد الشامي أن هذا الجيل الجديد قادم للثورة على النظام بكل أقطابه محافظين وإصلاحيين، والمفاجأة أن هناك جيوبا لهم داخل السلطة، ليس على مستوى القيادات الكبرى ولكن على مستوى مسؤولين وموظفين يرفضون الإبقاء على هذا النظام بهذا الشكل.