تحولت فكرة "حلف الناتو دون الولايات المتحدة" من نقاش نظري إلى مصدر قلق إستراتيجي بالغ الأهمية للقادة الأوروبيين، مع تصاعد تشدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن غرينلاند، المنطقة شبه المستقلة التابعة للدنمارك العضو في الناتو، والتي يصفها ترامب بأنها "ضرورية للأمن القومي الأمريكي"، وفق صحيفة "يوراسيان تايمز".
وقال ترامب يوم 16 يناير: "يتعامل حلف الناتو معنا بشأن غرينلاند. نحن بحاجة ماسة إلى غرينلاند لأمننا القومي. إذا لم نحصل عليها، سنواجه ثغرة كبيرة في أمننا القومي، ولا سيما فيما يتعلق بمشروع القبة الذهبية وغيره من المشاريع".
لكن هذه الرؤية لم تحظ بقبول الأعضاء الأوروبيين الآخرين، الذين يعتبرون سيناريو الاستيلاء على أراضي دولة عضو بالقوة العسكرية غير مقبول.
وقد حذَّرت بولندا من أن التهديدات الأمريكية قد "تنهي التحالف"، فيما بدأت دول أوروبية أخرى، مثل: فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة في نشر قوات عسكرية في غرينلاند لتعزيز سيادة الجزيرة وحمايتها.
بدأت فرنسا وألمانيا والنرويج والسويد بنشر جنود في غرينلاند، حيث أرسلت فرنسا 15 جنديًّا وألمانيا 13، ووُصفت المهمة بأنها عملية اعتراف بالسيادة على الإقليم، مع رفع علم الاتحاد الأوروبي كرمز.
وأكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن "قوات أخرى ستلحق بها"، فيما عززت الدنمارك وجودها العسكري في الجزيرة، في خطوة غير مسبوقة تشير إلى احتمال تحول الناتو إلى حلف أوروبي مستقل عن الولايات المتحدة.
تاريخيًّا، واجه الناتو أزمات عديدة على مدى 76 عامًا، لكن السياسة الأمريكية الجديدة، بما في ذلك تقليص حصة الولايات المتحدة في ميزانية الحلف والموقف المختلف من الحرب في أوكرانيا، أعادت تعريف الالتزام بالدفاع الجماعي وأثرت في "الفهم المشترك للتهديدات" و"الأمن غير القابل للتجزئة" بين الأعضاء.
وأشار تقرير حديث للمعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية (IISS) بعنوان "الدفاع عن أوروبا مِن دون الولايات المتحدة: التكاليف والعواقب"، إلى أن استبدال القدرات العسكرية الأمريكية في أوروبا سيكلف نحو تريليون دولار على مدى 25 عامًا، مع ضرورة رفع الإنفاق الدفاعي الأوروبي إلى مستويات الحرب الباردة (فوق 3% من الناتج المحلي الإجمالي).
كما تواجه أوروبا تحديات صناعية كبيرة، إذ هناك تأخر في الاستثمار البحري والجوي، بينما تحتاج القارة إلى تطوير أنظمة اتصالات عبر الأقمار الصناعية وأنظمة دفاع جوي وصاروخي متقدمة، بالإضافة إلى توسيع عدد الجنود بمقدار 300 ألف لتعويض القدرات الأمريكية.
غياب الولايات المتحدة عن الناتو سيترك أوروبا "تقاتل في حالة من العمى" بسبب فقدان قدرات الاستخبارات والقيادة، والتموين اللوجستي، والدفاع الجوي المتكامل، فضلًا عن الردع النووي، إذ تمتلك فرنسا والمملكة المتحدة نحو 515 رأسًا نوويًّا فقط مقارنة بـ5000 رأس أمريكي.
كما ستتأثر الولايات المتحدة نفسها، إذ ستفقد الوصول إلى 31 قاعدة عسكرية أوروبية، وستتراجع مبيعات الأسلحة إلى أوروبا؛ ما يهدد الصناعات الدفاعية الأمريكية ويعيد تشكيل الأمن العالمي.
يصف البعض هذا السيناريو بـ"الطلاق عبر الأطلسي"، وهو احتمال مؤلم لكلا الطرفين، قد يعيد رسم الخريطة الجيوسياسية والأمنية للعالم، مع اضطرابات اقتصادية وعسكرية كبيرة.