كشفت تجربة ماليزيا في التعامل مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن النجاح في عهده لا يأتي من التحالفات أو التنازلات الكبرى، بل من القدرة على خفض التوقعات، من خلال تقديم مكاسب رمزية، والتعامل البراغماتي مع سياسة خارجية شخصية ومتقلبة.
ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، جعل ترامب السياسة الخارجية الأمريكية أكثر تقلبًا وأقل قابلية للتنبؤ؛ ما أدى إلى اضطراب واسع بين الحلفاء في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وبحسب "فورين بوليسي"، فإن كوريا الجنوبية والهند واليابان على حد سواء، أيقنت أن أي اتفاق مع ترامب قد يتغير في أي لحظة، وأن محاولات التكيُّف غالبًا ما تفشل أمام قراراته المفاجئة المتعلقة بالرسوم والصفقات التجارية.
وسط هذه البيئة، برزت ماليزيا كاستثناء نادر؛ فبرغم بدايتها المتوترة مع ترامب، بعد دعم رئيس وزرائها أنور إبراهيم لحركة حماس في أحداث غزة 2023، نجحت ماليزيا في الحفاظ على علاقات ودية مع واشنطن دون تقديم تنازلات كبيرة عن مبادئها الأساسية، كما تمكنت من التفاوض على تعرفة منخفضة نسبياً لصادراتها بلغت 19%، وهي مساوية لجيرانها الإقليميين لكنها أقل من بعض الدول الأخرى.
ويرى الخبراء أن ماليزيا اعتمدت استراتيجية دقيقة ومبسطة، من خلال تجاهل الخلافات في السياسة الخارجية وركزت على مصالحها الاقتصادية الإقليمية خلال رئاستها لرابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان" في 2025، كما حرصت على تقديم مكاسب رمزية للرئيس الأمريكي، بما في ذلك السماح له بالإشراف على مراسم توقيع اتفاق سلام بين كمبوديا وتايلاند خلال القمة، وإظهار روح الدعابة والود الشخصي في التفاعلات الرئاسية، وهو ما استقبله ترامب بإعجاب واضح.
بالإضافة إلى ذلك، نجحت ماليزيا في تأمين اتفاقية مع الولايات المتحدة بشأن الوصول إلى المعادن الاستراتيجية، بما يتماشى مع اهتمامات ترامب في ضمان الموارد الحيوية بعيدًا عن يد الصين، وكانت كوالالمبور محظوظة أيضًا بعدم كونها حليفة رسمية لواشنطن؛ ما أتاح لها التعامل مع ترامب دون توقعات أو التزامات تحالفية، وهو ما يفضله الرئيس في سياسته الخارجية القائمة على "أمريكا أولاً".
كما ساعدت رؤية ماليزيا العامة المتوافقة جزئيًّا مع ترامب في تعزيز العلاقة؛ فهي تسعى إلى الحفاظ على التوازن في علاقاتها مع الصين وتجنب الانحياز، وهو ما يتماشى مع ميل ترامب إلى تقدير القوى التي تدير مناطق نفوذها دون مواجهات مفتوحة.
وبحسب معلّقين فإن التجربة الماليزية توضح أن البقاء في "النعمة" مع ترامب لا يتطلب تنازلات كبيرة، بل إلى تقدير طبيعة إدارته المتقلبة، وتقديم مكاسب رمزية مع خفض التوقعات، والاعتماد على المرونة البراغماتية في السياسة الخارجية، وفي ظل إدارة أمريكية تتسم بعدم التنبؤ، يعد هذا النموذج نادرًا وقيّمًا للدول التي تسعى للحفاظ على مصالحها دون الانجرار وراء تحالفات أو وعود صعبة.