تحت وطأة انخفاض أسعار النفط والهجمات المستمرة على منشآتها، تواجه روسيا اختبارا مزدوجا يجمع بين الضغط الاقتصادي والعسكري، ما يضع مفاوضات السلام مع أوكرانيا على المحك.
ويحد الهبوط في عائدات النفط والعقوبات الغربية والأمريكية على أكبر شركات الطاقة الروسية، من قدرة الكرملين على تمويل الحرب والحفاظ على استقرار الاقتصاد المحلي، بينما تحاول أوكرانيا استثمار هذه الهشاشة لتعزيز موقعها التفاوضي.
ووفقا للمراقبين، قد تجبر العقوبات الأمريكية على روسنفت ولوك أويل و34 شركة تابعة لهما، ودراسة خفض سقف سعر النفط الروسي إلى 45 دولارًا للبرميل، موسكو إلى بيع نفطها بخصومات حادة، في وقت صُممت فيه الموازنة لعام 2025 على أسعار أعلى بكثير.
في المقابل، لم يهدأ الضغط العسكري خاصة مع استهداف أوكرانيا مصافي فولغوغراد وريازان وخط أنابيب دروجبا، في محاولة لتأكيد أنها لم تنهزم ولرفع مستوى الرهانات في أي مفاوضات.
وتعمل الولايات المتحدة على إعادة توجيه أوروبا بعيدًا عن الطاقة الروسية، مع تعزيز صادرات الغاز الأمريكي، وفي الوقت نفسه تستفيد روسيا من علاقاتها الاستراتيجية مع الصين والهند لتخفيف أي تأثير اقتصادي حاد.
وفي هذا الإطار، أكد خبير العلاقات الدولية، الدكتور محمد عثمان، أن انخفاض أسعار النفط خلال الفترة الماضية، بالتزامن مع استهداف المنشآت النفطية الروسية، وملاحقة ما يُعرف بأسطول الظل، شكل ضغطا واضحا على أحد الروافد الأساسية للدخل في الاقتصاد الروسي.
وقال عثمان إن تأثير هذه العوامل ظل نسبيًا ولم ينعكس بشكل جوهري على الأداء الكلي للاقتصاد الروسي، كما لم يؤدِ إلى إضعاف قدرة روسيا على مواصلة عملياتها العسكرية بالوتيرة نفسها على مختلف جبهات القتال.
وأشار إلى أن موسكو لا تزال تمتلك قدرا معتبرا من المرونة الاقتصادية والقدرة على إعادة توجيه مواردها بما يسمح لها بتحمل الضغوط دون الوصول إلى مرحلة الإنهاك الاستراتيجي.
وأضاف خبير العلاقات الدولية، أن النظر إلى الحرب من زاوية الاستنزاف المتبادل يكشف من خلال القياس المقارن للخسائر، وأن الخسائر الأوكرانية الاقتصادية والعسكرية والبشرية تفوق نظيرتها الروسية بفارق ملحوظ.
ولفت عثمان إلى أن البنية الاقتصادية والعسكرية الأوكرانية تبدو أكثر عرضة للتآكل مع مرور الوقت، مقارنة بالقدرات الروسية التي تحتفظ بهوامش أوسع للمناورة.
وتابع: «احتمالات تلاشي الموارد الأوكرانية أعلى بكثير من فرص تأثر القدرات الروسية بشكل حاسم، وأن هذا الاختلال في ميزان الاستنزاف ينعكس مباشرة على الحسابات السياسية والعسكرية للطرفين».

وشدد عثمان على أنه لا يتصور أن تؤدي هذه الضغوط مجتمعة إلى تغيير جوهري في الثوابت الروسية خلال أي مسار تفاوضي محتمل، إذ لا يزال الموقف الروسي قائما على معادلات قوة ترى موسكو أنها تصب في صالحها على المديين المتوسط والبعيد.
من جهته، أكد المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوروبية كارزان حميد، أن التحولات الكبرى في أسواق الطاقة العالمية لا يمكن فصلها عن السياقات الجيوسياسية، خاصة في ما يتعلق بالعلاقة المعقدة بين روسيا والغرب والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي».
وأضاف المحلل السياسي أن روسيا استطاعت، منذ الانهيار الكبير لأسعار النفط عام 2014 وفقدانها نحو 60% من قيمتها، التكيّف مع واقع الأسعار المنخفضة وإعادة برمجة اقتصادها المعتمد أساسًا على النفط والغاز، رغم تزامن ذلك مع تصاعد الخلافات السياسية مع الغرب على خلفية أزمة القرم.
وأوضح حميد أن موسكو كانت تمتلك في تلك المرحلة ورقة ضغط استراتيجية تمثلت في الغاز الطبيعي المصدّر إلى الاتحاد الأوروبي، لافتًا إلى أنه بعد اندلاع الحرب الأوكرانية واحتلال المناطق الأربع في دونباس، لم تشهد أسعار النفط صدمة حادة، باستثناء تغيرات طفيفة ارتبطت بعوامل جيوسياسية أوسع، إلى جانب دخول روسيا في إطار أوبك+، ما أسهم في الحفاظ على قدر من الاستقرار النسبي.
وكشف الخبير في الشؤون الأوروبية أن الولايات المتحدة تبنت منذ عقود استراتيجية تهدف إلى إبعاد أوروبا تدريجيًا عن الطاقة الروسية، وفرض الهيمنة الأمريكية على سوق الطاقة الأوروبي، معتبرًا أن هذه السياسة بدأت تؤتي ثمارها مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، في ظل الحروب التجارية والتعريفات الجمركية.
وبين حميد أن الهدف الأمريكي لا يتركز على إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية بشكل نهائي، بقدر ما ينصب على تفريغ الساحة الأوروبية من أي تواصل طاقي بين موسكو وبروكسل، مشيرًا إلى أن إنهاء الحرب سيؤدي تلقائيًا إلى تراجع الأرباح الضخمة لصادرات السلاح الأمريكية إلى أوروبا، وهو ما لا يخدم المصالح الأمريكية.
وأوضح أن صادرات الغاز الطبيعي الأمريكي مرتفع التكلفة إلى أوروبا قفزت بنسبة 485% بين عامي 2015 و2019، لتصل إلى نحو 59% من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي، مقابل تراجع واردات الطاقة الروسية من نحو 60% سابقًا إلى قرابة 8% فقط خلال العام الماضي.
وأكد حميد أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لا يمتلكان القدرة على محاربة روسيا بسلاح النفط بكفاءة، نظرًا لأن موسكو تتمتع بعلاقات استراتيجية متينة مع الصين والهند، القادرتين على تخفيف أي ضغوط اقتصادية قصوى.
وأضاف أن الأسعار المنخفضة للنفط تضر بصناعة النفط الصخري الأمريكي بالدرجة الأولى، لأنها تحتاج إلى أسعار تتراوح بين 80 و90 دولارًا للبرميل لتحقيق الجدوى الاقتصادية.
وأشار حميد إلى أن الحديث عن خنق التحرك النفطي الروسي يظل أقرب لمحاولة توجيه الأسواق الأوروبية سياسيًا، فيما تراقب البورصات اليوم تحركات القادة واستراتيجياتهم الاقتصادية أكثر من مراقبتها للتوترات الميدانية.