في الوقت الذي ظن فيه العشرات من كبار المسؤولين العسكريين والسياسيين والدبلوماسيين في واشنطن وحتى في الشرق الأوسط، أن القنابل الأمريكية ستسقط على طهران فجر الأربعاء الماضي، كان من الواضح بحلول المساء أن الأمر لن يصدر، فقد تراجعت أمريكا في اللحظات الأخيرة، وفق ما نقل موقع "أكسيوس" عن مسؤولين أمريكيين.
فخلال الأسبوع الماضي، كان الرئيس ترامب يميل في أوقات مختلفة إلى توجيه ضربة للنظام الإيراني بسبب قمعه العنيف للمتظاهرين، الذين يُعتقد أن الآلاف منهم قد قتلوا، لكن نقص المعدات العسكرية في المنطقة، والتحذيرات من حلفاء واشنطن في المنطقة بمن فيهم إسرائيل والقلق بين كبار المساعدين بشأن تداعيات وفعالية خيارات الضربة، والمحادثات السرية غير المباشرة مع الإيرانيين، فقد اختار الرئيس الأمريكي التراجع وعدم توجيه الضربة.
وأكد "أكسيوس" أنه استقى معلوماته عن تأجيل ضربة لإيران من مقابلات مع أربعة مسؤولين أمريكيين، ومسؤولين إسرائيليين اثنين، ومصدرين آخرين على دراية بالمناقشات التي جرت خلف الكواليس بين أطقم إدارة ترامب.
في حين هدد ترامب لأول مرة في 2 يناير بالتدخل إذا "قام النظام بقتل المتظاهرين السلميين بعنف"، إلا أنه استغرق عدة أيام قبل أن تبدأ إدارته في اعتبار المظاهرات لحظة محورية بالنسبة لإيران.
ونظراً لمحدودية المعلومات المتاحة عن الأحداث على أرض الواقع، خلصت الاستخبارات الأمريكية في البداية إلى أن الاحتجاجات تفتقر إلى الطاقة الكافية لتهديد النظام بشكل كبير، لكن هذا الانطباع تغير في 8 يناير، عندما تصاعدت حدة الاحتجاجات في طهران ومدن أخرى.
وفي يوم الجمعة الموافق 9 يناير، ترأس نائب الرئيس جي دي فانس، أول اجتماع رفيع المستوى في البيت الأبيض لمناقشة رد عسكري أمريكي محتمل بالتفصيل، وفقًا لمسؤولين أمريكيين. وبحلول ذلك الوقت، كانت قوات الأمن الإيرانية قد بدأت بقتل العشرات من المتظاهرين، ودخلت إيران في حالة انقطاع تام للإنترنت.
خلال عطلة نهاية الأسبوع، تواصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع مبعوث ترامب ستيف ويتكوف لمناقشة مسار دبلوماسي لخفض التصعيد. وبعد أيام، لعبت هذه القناة غير الرسمية دوراً مهماً في عملية صنع القرار لدى ترامب، وفق مصادر "أكسيوس".
وفي مساء الثلاثاء الـ 13 يناير، وبعد عودته من إلقاء خطاب في ديترويت، دخل ترامب غرفة العمليات للاطلاع على الخيارات العسكرية المتاحة، بعد أن تلقى إحاطات استخباراتية في الأيام التي سبقت الاجتماع، وكان يتم إطلاعه بانتظام من قبل فانس وروبيو، لكن هذه كانت المرة الأولى التي يترأس فيها رسمياً اجتماعاً بشأن الاحتجاجات.
ويقول الموقع الأمريكي، إنه بحلول ذلك الوقت، بدا أن حملة القمع الوحشية قد بدأت تؤتي ثمارها في كبح الاحتجاجات. لكن تهديدات ترامب العلنية خلقت توقعات باتخاذ إجراءات داخل الولايات المتحدة، وأثارت حالة من القلق في المنطقة.
وبحسب "أكسيوس"، فقد عُرضت على ترامب عدة خيارات عسكرية، بما في ذلك ضربات على العديد من أهداف النظام الإيراني في جميع أنحاء البلاد يتم إطلاقها من سفن حربية وغواصات أمريكية، لكن ترامب قلّص الخيارات المتاحة وطلب استكمال الاستعدادات. وقال مسؤول أمريكي إن "خطة الضربة جاهزة" بعد أن تحدث ترامب مع فريقه الرفيع يوم الثلاثاء، لكن الاجتماع انتهى دون اتخاذ قرار واضح.
وقال مسؤول أمريكي: "لم يكن الأمر مزيفاً أو خدعة"، حيث تحولت الأنظار إلى اجتماع حاسم كان ترامب يخطط لعقده مع فريقه للأمن القومي الأعلى بعد ظهر يوم الأربعاء، لكن مرت ساعات دون أي خبر من البيت الأبيض، وهو ما عرف لاحقاً أن سببه هو أن ترامب قرر التريث.
ونقل "أكسيوس"، عن مسؤول في البيت الأبيض قوله: "كان يريد مواصلة مراقبة الوضع"، في حين صرح مسؤول أمريكي ثانٍ: "كان الأمر وشيكاً للغاية. كان الجيش في وضع يسمح له بفعل شيء ما بسرعة كبيرة، لكن الأمر لم يصدر".
وفي مكالمة هاتفية في وقت سابق من اليوم نفسه، حثّ صوت مفاجئ على توخي الحذر، لم يكن سوى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أبلغ ترامب أن إسرائيل ليست مستعدة للدفاع عن نفسها ضد الرد الإيراني المحتمل، خاصة وأن الولايات المتحدة لا تملك أصولاً كافية في المنطقة لمساعدة تل أبيب على اعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية.
وأضاف أحد مستشاري رئيس الوزراء، أن نتنياهو شعر أيضاً بأن الخطة الأمريكية الحالية ليست قوية بما فيه الكفاية ولن تكون فعالة، وفقاً لـ"أكسيوس".
وعلى الرغم من صعوبة فهم ما يدور في ذهن ترامب، إلا أن العديد من المسؤولين الأمريكيين قالوا إن تحذير نتنياهو والإحاطات التي قدمها فريق ترامب بشأن التهديدات التي تواجه القوات الأمريكية من الرد الإيراني كانت عوامل مهمة.
ويوضح التقرير أن أحد العوامل التي برزت بشكل خاص، هو حقيقة أنه منذ الاشتباك الأخير مع إيران في يونيو، تم نقل العديد من القوات والأصول الأمريكية إلى منطقة البحر الكاريبي وشرق آسيا.
وقال بعض المسؤولين إن "المسرح لم يكن جاهزاً" وهذا حد من الخيارات المتاحة للولايات المتحدة - سواء للهجوم أو لسيناريو صراع أوسع نطاقاً إذا ردت إيران.
وقال مصدر مطلع: "لقد فاتتنا الفرصة نوعاً ما"، وقد رد مسؤول في البيت الأبيض على هذه الادعاءات، قائلاً إن الولايات المتحدة لديها أصول كافية في المنطقة "لتنفيذ العديد من الخيارات المقدمة للرئيس، إذا اختارها".
وكان من بين العوامل الأخرى التي ساهمت في اتخاذ ترامب لقراراته الرسائل التي كان يرسلها ويستقبلها عبر قناة دبلوماسية خلفية بين ويتكوف ووزير خارجية إيران عباس عراقجي.
وبحسب مسؤولين أمريكيين، أرسل عراقجي رسالة نصية إلى ويتكوف صباح الأربعاء يتعهد فيها بتعليق عمليات الإعدام المخطط لها للمتظاهرين "ووقف القتل".
في حوالي الساعة الثالثة مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، وبعد وقت قصير من الاجتماع الذي قرر فيه عدم إصدار أمر بشن هجوم، تحدث ترامب إلى الصحفيين في المكتب البيضاوي وكشف عن الرسالة التي تلقاها من الإيرانيين.
في هذه المرحلة، يقول المسؤولون الأمريكيون، كان من الواضح أن ترامب كان يتجه نحو خفض التصعيد، على الأقل على المدى القريب.
لكن تقرير الموقع الأمريكي، خلص إلى أنه على الرغم من أن ترامب قد أرجأ الضربة في الوقت الراهن، إلا أن العملية العسكرية ضد إيران لا تزال مطروحة بقوة. ويقول مسؤولون أمريكيون إن قراراً آخر قد يُتخذ في غضون أسابيع.