logo
العالم

"إدارة الخوف وزرع الشك".. صراع روسيا والغرب يدخل مرحلة أكثر تعقيداً

الرئيس الروسي فلاديمير بوتينالمصدر: غيتي إيمجز

لم تعد المواجهة بين روسيا والغرب مقتصرة على ساحات القتال في أوكرانيا، حيث امتدت إلى قلب العواصم الأوروبية عبر استراتيجية ممنهجة لإدارة الخوف وزرع الشك، تقوم على ما بات يُعرف بالحرب الهجينة. 

ومنذ بداية 2026، تصاعدت المؤشرات الاستخباراتية التي تؤكد أن  موسكو نقلت صراعها مع أوروبا إلى مستوى أكثر تعقيدًا، يستهدف الاستقرار الداخلي قبل القدرات العسكرية.

وكشفت تقارير مراكز أبحاث غربية عن تضاعف عمليات التخريب الروسية داخل أوروبا أربع مرات خلال عام 2024، مع تسارع ملحوظ في 2025، في إطار استراتيجية تعتمد على 3 أعمدة رئيسة، التخريب المادي، والضغط الإلكتروني والمعلوماتي والتدخل في العمليات السياسية والانتخابية.

وتحولت البنية التحتية الأوروبية، خاصة المرتبطة بالإنتاج الدفاعي وسلاسل الإمداد المتجهة إلى أوكرانيا إلى أهداف مباشرة من مصانع الذخيرة إلى شبكات النقل والسكك الحديدية.

وشهدت أوروبا حوادث وُصفت بأنها رسائل ردع غير مباشرة، من حرائق ضخمة طالت منشآت تجارية ولوجستية، إلى هجمات بالطائرات المسيرة، وصولًا إلى استهداف مخازن تحتوي على مساعدات عسكرية مخصصة لكييف. 

وفي موازاة ذلك، تصاعدت الهجمات الإلكترونية وانتهاكات المجال الجوي، مع تسجيل عدد غير مسبوق من الحوادث خلال عام 2025، بما فاق إجمالي السنوات السابقة مجتمعة.

ولم تغب ساحة المعلومات عن هذه المواجهة، إذ فرض  الاتحاد الأوروبي عقوبات على شخصيات متورطة في حملات تضليل وتلاعب بالرأي العام، وسط تقارير عن نشاط روسي واسع للتأثير على الانتخابات داخل عدة دول أوروبية. 

يأتي ذلك، في وقت تتعمق فيه الانقسامات داخل القارة، بين مخاوف من استمرار الحرب، أو القبول بتسوية غير متوازنة أو تراجع الضمانات الأمنية الأمريكية فضلًا عن صعود التيارات القومية واليمينية.

وتوظف موسكو التهديد النووي كأداة نفسية فاعلة، خاصة بعد انتهاء آخر اتفاقيات الحد من التسلح النووي، وإجراء مناورات عسكرية واسعة النطاق تحمل رسائل مباشرة للجناح الشرقي لحلف الناتو. 

وفي المقابل، يعكس الخطاب الأوروبي الرسمي قلقًا متزايدًا من اتساع نطاق الأنشطة الروسية السرية، وسط تحذيرات من أن القارة تدخل عام 2026 بمرونة سياسية واقتصادية وعسكرية محدودة.

وتبدو الاستراتيجية الروسية وكأنها حرب نفسية شاملة، تهدف إلى إنهاك أوروبا من الداخل، وتقويض الثقة بين عواصمها، وإضعاف دعمها لأوكرانيا، عبر مزيج دقيق من التصعيد غير المباشر وإدارة الخوف. 

أخبار ذات علاقة

وزير الخارجية الصيني وانغ يي

الصين لأوروبا: تقارب المصالح ليس تهديداً

ويرى الخبراء أن روسيا لا تعتمد فقط على الخطاب السياسي في تعاملها مع أوروبا، بل تنتهج سياسة مدروسة لإدارة الخوف داخل العواصم الغربية عبر تحركات عسكرية ورسائل أمنية مباشرة، أبرزها الحرب في أوكرانيا والتلويح باستخدام القوة الاستراتيجية.

وأضاف الخبراء أن هذه السياسة تستغل التناقضات البنيوية داخل الاتحاد الأوروبي، سواء على مستوى القدرات العسكرية أو التوجهات السياسية، فضلًا عن الفجوة بين المصالح الأوروبية والأمريكية، وهو ما يسمح لروسيا بزرع الشكوك حول جدوى الاعتماد الكامل على واشنطن.

وأوضحوا أن موسكو توظف هذه الهواجس للضغط على صناع القرار الأوروبيين ودفعهم إلى إعادة حساباتهم، سواء عبر سباق إعادة التسلح أو التفكير في فتح قنوات حوار جديدة مع روسيا.

ويرى المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوروبية، إبراهيم كابان، أن حالة القلق المتصاعدة داخل العواصم الأوروبية لا تنبع من تقديرات نظرية أو مخاوف سياسية عابرة، بل من تحركات روسية عملية فرضت نفسها على المشهد الأمني الأوروبي. 

وأكد كابان، في حديث لـ"إرم نيوز"، أن الهجوم الروسي على أوكرانيا مثل نقطة تحول حاسمة في الوعي الأوروبي، إذ كسر قناعة راسخة كانت سائدة بأن الحروب التقليدية باتت خارج الحسابات داخل القارة.

وأشار الخبير في الشؤون الأوروبية إلى أن التهديد الروسي لم يعد مقتصرًا على حدود أوكرانيا، بل تمدد عبر رسائل سياسية وعسكرية، شملت التلويح باستخدام السلاح النووي، إلى جانب توسيع نطاق الهجمات بالطائرات المسيرة وهو ما عزز الشعور بأن موسكو تتعامل مع الأمن الأوروبي كمساحة ضغط مفتوحة. 

وأضاف المحلل السياسي أن هذا النمط من السلوك يهدف بالأساس إلى إدارة الخوف داخل أوروبا، ودفع صناع القرار إلى إعادة حساباتهم الاستراتيجية.

ولفت كابان إلى مفارقة لافتة، تتمثل في أن هذا التهديد، رغم خطورته، أعاد إحياء المشروع الدفاعي الأوروبي، خاصة بعد عقود من التركيز على الرفاه الاقتصادي وتجميد الإنفاق العسكري، وجدت دول الاتحاد نفسها مضطرة لإعادة بناء جيوشها وتحديث صناعاتها الدفاعية. 

وأوضح إبراهيم كابان، أن دولًا مثل ألمانيا التي كانت تتجنب الانخراط العسكري الواسع، دخلت اليوم مرحلة إعادة هيكلة شاملة لقدراتها الدفاعية.

وأشار إلى أن روسيا تستغل التباينات السياسية والاقتصادية داخل الاتحاد الأوروبي، بين دول متقدمة وأخرى أقل جاهزية، وبين ديمقراطيات مستقرة وأخرى هشة، لزرع الشكوك وتوسيع فجوات الثقة، إلا أن هذه السياسة، على المدى الطويل، قد تنقلب ضد موسكو، إذ تدفع أوروبا نحو تماسك عسكري واستراتيجي غير مسبوق.

من جانبه، أكد مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، ديميتري بريجع، أن حالة الشك التي تسود أوروبا تجاه روسيا ليست نتيجة مباشرة لتحركات موسكو وحدها، بل ترتبط أيضًا بتعقيدات العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. 

وفي حديث لـ"إرم نيوز"، قال إن المخاوف الأوروبية لا تزال قائمة، لكنها تتخذ أبعادًا مختلفة كلما تعارضت السياسات الأمريكية مع المصالح الأوروبية.

وأشار بريجع إلى أن هذا التباين يدفع بعض الدول الأوروبية إلى التفكير في إعادة صياغة علاقتها مع روسيا، سواء عبر فتح قنوات دبلوماسية جديدة أو تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري، خاصة في ظل شعور متنامي بأن الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية لم يعد خيارا مضمونا.

وتابع في هذا السياق هناك: سيناريوهان محتملان، إما توجه أوروبي أكثر استقلالية يوازن العلاقة مع موسكو بعيدًا عن واشنطن، أو تصعيد سياسي يعمّق القطيعة مع روسيا.

أخبار ذات علاقة

جنود بريطانيون

"جيش المواطنين".. بريطانيا تستجيب لتهديدات الحرب الهجينة الروسية

وأشار بريجع إلى أن بعض الملفات، مثل الخلافات داخل أوروبا نفسها، تعكس محاولات واضحة لمقاومة الهيمنة الأمريكية، مؤكدًا أن الدور الفرنسي سيظل عنصرًا مؤثرًا في صياغة هذا المسار. 

وحذر من أن السياسات الأمريكية الحالية، رغم محاولات إدارة الرئيس دونالد ترامب تصحيح المسار، قد تخلق أزمات طويلة الأمد تهدد نفوذ واشنطن داخل القارة الأوروبية.

ويرى بريجع أن مستقبل الأمن الأوروبي يظل مرتبطًا بشكل وثيق بحل الأزمة الأوكرانية، مشددًا على أن تجاهل جذور الصراع سيؤدي إلى تداعيات خطيرة على الأمن الجماعي للقارة، وربما على روسيا نفسها. 

وأضاف أن الحوار المباشر بين موسكو والعواصم الأوروبية، بما في ذلك التواصل مع الرئيس فلاديمير بوتين، بات ضرورة استراتيجية، لأن استقرار أوروبا لن يتحقق دون شراكة واقعية مع روسيا، مهما بلغت حدة الخلافات السياسية.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC