أكدت مصادر ميدانية في غرينلاند، مع تصاعد التهديدات الأمريكية بالاستيلاء على الجزيرة بسطوة النار أو بسلطة الدّولار، وجود إجماع واسع بين الحكومة المحلية والأهالي على رفض الهيمنة الأمريكية.
وأشارت المصادر إلى أن النخبة السياسية الغرينلاندية قد تحول الأزمة من محنة إلى منحة، بتوسيع هوامش الحقوق السياسية والاقتصادية وتحويل حلم الاستقلال إلى واقع.
ونقلت مصادر إعلامية محلية عن رئيس الوزراء الغرينلادي ينس فريدريك نيلسن، رفضه القاطع لصفقة شراء غرينلاند التي أعلن عنها الرئيس دونالد ترامب وبعض أعضاء فريقه الحكوميّ، حيث قال: "هذا يكفي، نحن نرفض أي حديث عن ضم الجزيرة أو الضغط عليها".
وسبق لنيلسن أن أصدر موقفًا سياسيًّا حظي بتوافق شعبي واسع من أهالي الجزيرة الذين يعدون زهاء 57 ألف نسمة فقط، حيث قال: لا نريد ان نكون أمريكيين، ولا أن نكون دنماركيين، نريد أن نكون من غرينلاند، ونريد استقلالنا في المستقبل فقط".
ويترأس نيلسن الحزب الديمقراطي الغرينلادي الذي فاز في الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت في مارس 2025، بنسبة 30 % من جملة الأصوات، وينادي الحزب بالاستقلال الهادئ والانفصال طويل المدى عن كوبنهاغن والذي يقوم أساسًا على الاكتفاء الذاتي الاقتصادي قبل استدرار الخطوات السياسية المقبلة.
وتحظى فكرة الانفصال عن الدنمارك بتوافق سياسي واسع في غرينلاند، يمثل تقريبًا محل إجماع بين الشعب والنخب الحزبية، غير أنّ الخطوات الإجرائية وآليات تنزيله على أرض الواقع لا تزال محلّ اختلاف وتجاذب بين الفاعلين السياسيين.
وكشف استطلاع للرأي نشر مؤخرًا – عقب التصعيد الإعلامي والسياسي الأمريكي ضدّ الجزيرة- عن شبه إجماع شعبي على معارضة انضمام غرينلاند إلى الولايات المتحدة، حيث رفض 85 في المائة من السكان بشكل كامل الفكرة، فيما أيدها 6 في المائة فقط، ولم يحسم 9 في المائة موقفهم بعد منها.
وأشار الاستطلاع الذي أجرته شركة استطلاعات الرأي "Verian" بطلب من صحيفة berlingske الدنماركية، إلى أنّ الغالبية العظمى من السكان تفضل الاستقلال الكامل عن الدنمارك كحلّ أوّل والحفاظ على الوضع القائم كحلّ ثان وأخير؛ ما يجعل من السيادة الأمريكية على الجزيرة قضية خارج دائرة النّقاش المحليّ.
ورغم الردّ الشعبي الحازم حيال خيارات التعامل مع التهديدات، فإنّ المصادر الإعلامية المحلية تشير إلى إمكانيّة توظيف الأزمة المحلية، بغرض الحصول على مكتسبات سياسية جديدة لصالح الجزيرة تمهد للاستقلال التام، وتضع قطار الانفصال عن الدنمارك على سكّة عدم العودة.
وأكد الخبراء والمتابعون للشأن الدنماركي، انّ غرينلاند ستحاول استثمار التركيز الأمريكي على موقعها الإستراتيجيّ واستعداد إدارة ترامب لدفع مليارات الدولارات للحصول عليها، قصد اقتلاع الحدّ الأقصى من المكتسبات السياسية والاقتصاديّة من كوبنهاغن ومن بروكسيل على حدّ السواء.
ووفقًا للمراقبين، فإنّ النخبة الحاكمة في غرينلاند قد تبدأ في مفاوضات رسمية مع كوبنهاغن لتعزيز مكانة الجزيرة القطبية، في 4 مستويات على الأقلّ، مستوى مالي متعلق بالاقتطاعات السنوية، ومستوى اقتصادي متعلق بالإيرادات المالية للجزيرة، ومستوى دبلوماسي/ تشريعي، ومستوى الصلاحيات التشريعية والتنفيذية.
وفيما يتعلق بالاقتطاعات السنويّة، فمن المرجح أنْ تطالب الجزيرة برفع قيمة المنحة السنوية الثابتة والتي تبلغ حاليًّا نحو 500 مليون دولار أمريكي فقط، (3.5 مليار كرونة دنماركية)، إلى مبالغ أكثر سخاء، ولا سيما أنّ العروض المالية الأمريكية تثبت قيمة الجزيرة أمنيًّا وإستراتيجيًّا.
وحسب المصادر المحلية، فمن الممكن أن تذهب المطالبة نحو ربط تلازمي شرطي للاقتطاع السنوي بالناتج المحلي الإجمالي الدنماركي، والذي يعد أحد أعلى الإنتاجات المحلية في العالم.
في هذا البُعد، تشير المصادر المحلية إلى إمكانية الحصول على التزام دنماركي بتمويل مشاريع البنية التحتية الحيوية من توسيع للمطارات والموانئ وتطوير شبكة الإنترنت والاتصالات.
أمّا المستوى الثاني، من مستويات التفاوض، فمن المرجح أن يذهب نحو تحسين إيرادات الجزيرة من صادرات التعدين، حيث تعدّ غرينلاند مملكة المعادن الثمينة والنادرة، وهي وقود الحروب الاقتصادية المشتعلة حاليًّا بين الصين والولايات المتحدة من جهة، والصين وأوروبا من جهة ثانية.
ولا تستبعد المصادر أن تفاوض الجزيرة على نسبة عائدات أعلى من المتوفرة حاليًّا، وعلى نظام تقاسم للأرباح أفضل وأنجع من النظام المعقد القائم الآن.
وفيما يخص المستوى الثالث، وهو المستوى النيابي/ الدبلوماسي، فترجح المصادر السياسية والإعلامية في كوبنهاغن، أن تسعى غرينلاند إلى اقتلاع 3 حقوق ديبلوماسية مهمة، الأوّل توسيع حضور الجزيرة في البرلمان الدنماركيّ، الثاني إمكانية إنشاء قنصليات خاصة بها على الأقل في الدول القريبة منها، والثالث العمل على الحصول على مقعد في المنظمات الأممية والإقليمية مثل الأمم المتحدة على غرار جزر فارو الدنماركية.
أما المستوى الرابع، فمتمثل في توسيع الصلاحيات التنفيذية والتشريعية، وهو بيت القصيد، إذ من غير المستبعد أن تطالب غرينلاند بحق الجزيرة في توقيع اتفاقيات اقتصادية واستثمارية مع الشركات الأجنبية وعسكرية مع الدول الأخرى، دون الرجوع إلى البرلمان الدنماركي ودون موافقة كوبنهاغن.
وقد يركّز المفاوضون الغرينلانديون على مجموعة من الاعتبارات لاقتلاع هذا المكسب المهم من كوبنهاغن، أوّلها تخفيف الضغط على كوبنهاغن من خلال ربط صلاحيات إبرام الصفقات بالحكومة المحليّة.
وثانيها فتح المجال أمام التوازن بين الفاعلين الصيني والأمريكي في استخراج المعادن النادرة والثمينة، وبالتالي تبرئة ساحة كوبنهاغن و"نوك" عاصمة غرينلاند بمحاباة بكين أو تحويل الجزيرة إلى مجال استثماري تعديني خاص بالصين في مقابل استبعاد الولايات المتحدة الأمريكية.
تمثل هذه المستويات الأربعة، الملفات الكبرى للتفاوض الممكن والمرجح جدّا بين كوبنهاغن ونوك وهو تفاوض سيكون عنوانه الأبرز إقرار "نصف الانفصال" ، أفضل من قبول الاحتلال المباشر.

في مقابل هذه المستجدات، أكدت مصادر إعلامية ميدانية محلية، أنّ أهالي الجزيرة يفضلون البقاء ضمن المملكة الدنماركية على قبول السيطرة الأمريكية، مع الإشارة دائما إلى أنهم يحبذون الاستقلال والانفصال كخيار أول.
وفي بسطها لهذا الأمر، تشير الجهات الصحفية الميدانية إلى أنّ الأهالي منقسمون إلى فريقين، واحد معارض للتبعية الدنماركية ويعتبرها إلحاقًا وهو بالتالي يأبى استبدال "الإلحاق" بـ"الاستعمار والاحتلال"، فكلاهما لديه سِيان وسيئان.
وفريق ثان لا يرفض السيادة الدنماركية على غرينلاند، ويفضلها على الوجود الأمريكيّ، خاصة انّ الأهالي يحظون بحقوق اجتماعية واقتصادية متميزة جدّّا على غرار الرعاية الصحية، والتعليم المجاني، والضمان الاجتماعي، والتقاعد المريح، والدعم المالي المتقدم للطبقات الضعيفة والمتوسطة، وهي أمور منعدمة تقريبًا في السياسة الأمريكية بشكل عام، وفي ظل حكم ترامب بشكل خاص.
أمريكيًّا، تكشف جهات أكاديمية قريبة من البيت البيضاوي أنّ إدارة ترامب قد تلتجئ إلى "الخطة ب"، في التعامل مع غرينلاند في حال فشلت عملية الاستيلاء العسكري أو المالي عليها.
وأضافت أنّ وضعية غرينلاند مختلفة عن وضعية فنزويلا في مستويات عديدة، على رأسها أنّها جزء من دولة أطلسية، وبالتالي فمهاجمة غرينلاند، ستحسب كعملية عسكرية ضدّ دولة طرف في الناتو، وضد دولة أوروبية، الأمر الذي قد ينهي فعليا الحلف الأطلسي، ويزيد حدّة التوتر والتململ الأوروبي حيال واشنطن.
وتشير في الوقت ذاته، إلى أنّ هذه الاعتبارات قد تدفع الإدارة إلى القبول بالخطة "ب" في غرينلاند، والمتمثلة في 3 نقاط وهي: إخلاء الجزيرة من الوجود الصيني، وتوسيع الوجود العسكري الأمريكي، وسيطرة الولايات المتحدة على كافة المعادن النادرة والثمينة.
وهو الأمر الذي قد يتماشى مع الرؤية الأمنية الأمريكية، ولا يثير غضب بروكسيل، ولا يؤدي إلى انهيار الأطلسي، ولا إلى استياء كوبنهاغن.
المعطى الوحيد الذي لا بدَّ أن يؤخذ في الاعتبار، أنّ واشنطن تبتغي كل ما سبق، مع دولة جديدة في غرينلاند، تمثل عمقها الإستراتيجي ومجالها الحيوي وحدودها القومية الجديدة، والأهم ان تكون الدولة 28 من ناد أوروبي منهك ومتهالك.