تستشعر القارة العجوز خطرًا وجوديًّا غير مسبوق مع تجديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أطماعه بضم جزيرة غرينلاند التابعة للتاج الدنماركي، وهي الخطوة التي اكتسبت طابعًا جديًّا ومقلقًا في أعقاب التدخل العسكري الأمريكي الأخير في فنزويلا.
وفيما وصفت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميتي فريدريكسن، هذا التهديد بأنه "نهاية حتمية" لحلف شمال الأطلسي "الناتو"، يبرز التساؤل الملحّ حول قدرة أوروبا على الصمود؛ وما الأدوات الحقيقية التي تمتلكها بروكسل وكوبنهاغن لكبح جماح "الشهية التوسعية" لواشنطن في القطب الشمالي؟
تُعد المادة الخامسة من معاهدة الأطلسي الشمالية حجر الزاوية في الدفاع الجماعي للحلف، حيث تنص على أن أي هجوم مسلح على دولة عضو يُعتبر هجومًا على جميع الأعضاء.
وتشير المادة السادسة من المعاهدة صراحة إلى أن الحماية تشمل الجزر في منطقة شمال الأطلسي شمال مدار السرطان؛ ما يجعل غرينلاند مشمولة بهذه الحماية.
وأكدت وزيرة الخارجية الفنلندية إلينا فالتونين أن "غرينلاند محمية بموجب المادة الخامسة من الناتو باعتبارها إقليمًا تابعًا للدنمارك". كما أوضح وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول أن "غرينلاند جزء من مملكة الدنمارك، وبما أن الدنمارك عضو في الناتو، فإن غرينلاند ستخضع من حيث المبدأ للدفاع الجماعي للناتو".
لكن الإشكالية الكبرى تكمن في أن المادة الخامسة لم تُصمم قط لمواجهة تهديد داخلي من دولة عضو ضد أخرى. وفقًا لخبراء قانون الدفاع الذين استشارتهم صحيفة "بلاتيك سنتيال"، فإن "الالتزام بالدفاع عن الدنمارك يبقى قائمًا حتى لو كان المعتدي الولايات المتحدة نفسها". ومع ذلك، فإن التطبيق العملي لهذا الالتزام يظل محل شك كبير.
تنص المادة 42.7 على بند المساعدة المتبادلة للاتحاد الأوروبي، لكن هناك إشكالية قانونية معقدة. غرينلاند، رغم انضمامها للمجموعة الأوروبية عام 1973 مع الدنمارك، انسحبت منها عام 1985 بعد استفتاء شعبي، وأصبحت مصنفة كـ"دولة وإقليم ما وراء البحار" (OCT) وليست "منطقة خارجية (OR)".
وفقًا للباحثة فيديريكا فازيو من جامعة دبلن سيتي، فإن "المادة 42.7 قد لا تنطبق على غرينلاند نظرًا لوضعها القانوني الحالي". ومع ذلك، يمكن تغيير هذا الوضع من خلال المجلس الأوروبي بناءً على طلب الدنمارك دون الحاجة لتعديل المعاهدات، كما حدث مع مايوت عام 2014.
ويرى الخبراء القانونيون أنه في حال الضم، يمكن للدنمارك وحلفائها رفع القضية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة. كما يمكن للجمعية العامة طلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية في لاهاي. رغم أن هذه القرارات ليست ملزمة قانونيًّا، فإنها "ستولّد ضغطًا سياسيًّا وقانونيًّا لدعم الدنمارك؛ ما يؤدي إلى سياسة طويلة الأمد لعدم الاعتراف".
في الـ6 من يناير/ كانون الثاني 2026، أصدر 7 من قادة أوروبا بيانًا مشتركًا يؤكد أن "غرينلاند تنتمي لشعبها" وأن "الدنمارك وغرينلاند وحدهما من تقرران مسائل تخص الدنمارك وغرينلاند".
البيان وقّعه كل من رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، إضافة لقادة إيطاليا وإسبانيا وبولندا.
ويشير إيان ليسر، الزميل في الصندوق الألماني مارشال (منظمة بحثية أمريكية غير حزبية) إلى أن "أوروبا تمتلك بعض أوراق اللعب"، إذ إن "إدارة ترامب تضع أولوية للقضايا الاقتصادية والتجارية". ويضيف: "أعتقد أن هناك الكثير على الطاولة... يمكن إجراء صفقة شاملة عبر الأطلسي حيث تكون أشياء كثيرة قيد التفاوض".
ويمكن للاتحاد الأوروبي استخدام نفوذه الاقتصادي من خلال: فرض قيود تجارية وتعريفات جمركية على السلع الأمريكية، وعقوبات مستهدفة على قطاعات محددة من الاقتصاد الأمريكي، وربط اتفاقيات التجارة بالأمن الأوروبي.
وفقًا لخبراء "تشام هاوس"، فإن "أوروبا ينبغي أن تتبنى نهجًا أكثر براغماتية تجاه الولايات المتحدة، وربط قضايا، مثل: العلاقات التجارية بالأمن الأوروبي".
تكمن المشكلة الكبرى في التردد الأوروبي. فقد أشار تحليل في "ذا كونفرزيشن" إلى أن "الاستجابة الأوروبية الفاترة تضع الناتو والأمن العالمي في خطر". كما انتقد محللون عدم وضوح الموقف الأوروبي، فقد قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إن "التصنيف القانوني للتدخل الأمريكي في فنزويلا معقد" وأن ألمانيا تحتاج وقتًا للنظر فيه.
هذا التردد يُضعف مصداقية أوروبا في الدفاع عن القانون الدولي. كما أن أحد المسؤولين الأوروبيين كان صريحًا في تقييمه: "لن نتمكن من الدفاع عن غرينلاند. هل تمزح؟".
الواقع القاسي هو أن أوروبا تفتقر إلى القوة العسكرية لمواجهة الولايات المتحدة. وفقًا لخبراء "تشام هاوس"، يجب على أوروبا "التفكير بجدية في شكل الناتو دون الولايات المتحدة، وتسريع الاستثمارات في القدرات التي لا تزال الولايات المتحدة الأقوى فيها، مثل شبكات القيادة والسيطرة، وقمع الدفاع الجوي للعدو".
يقترح الخبراء إستراتيجية متعددة المسارات: أولها التحرك الفوري من خلال نشر المزيد من الأصول العسكرية في غرينلاند كخطوة رمزية، كما يوضح رئيس تحرير صحيفة "بيرلينغسكي" الدنماركية. وثانيًا الدبلوماسية الاستباقية وذلك بفتح حوار عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية، كما طالب رئيس الوزراء الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن.
كذلك الاستفادة من الضغوط الداخلية الأمريكية: التحالف مع الكونغرس الأمريكي، خاصة في سنة الانتخابات النصفية، كما تقترح مؤسسة الاتحاد الأوروبي لدراسات الأمن، إضافة إلى بناء تحالف عالمي بحشد الدعم من دول الجنوب العالمي من خلال الدفاع المتسق عن القانون الدولي.
تمتلك أوروبا مجموعة من الأدوات القانونية والدبلوماسية والاقتصادية لمواجهة تهديدات ترامب تجاه غرينلاند، لكن فاعلية هذه الأدوات تعتمد بشكل كبير على الإرادة السياسية الأوروبية الموحدة والاستعداد لتحمل التكاليف الاقتصادية والأمنية.
وكما حذَّر كارستن سوندرغارد، الدبلوماسي الدنماركي السابق: "الاستيلاء العدائي على أراضي حليف سيكون له عواقب وخيمة على العلاقات عبر الأطلسي والغرب. هناك الكثير على المحك".
في النهاية، قد يعتمد مستقبل غرينلاند -ومعها مستقبل النظام الدولي القائم على القانون- على قدرة أوروبا على التحول من الخطابات الدبلوماسية إلى أفعال حاسمة، وهي على استعداد لإعادة تعريف علاقتها مع الولايات المتحدة في عصر ترامب الثاني.