كشف تقرير لمجلة "جون أفريك"، أن القارة السمراء أصبحت وجهة لمهربي المخدرات وشبكات الجريمة المنظمة العابرة للقارات، مؤكدة أن انتشار التجارة غير المشروعة وضعف الرقابة واستعداد العناصر الأمنية في تلك الدول لتلقي رشاوى، عوامل تفسر أسباب تحول تهريب المخدرات نحو القارة الإفريقية بعد الحملة التي تشنها أمريكا على العصابات الناشطة في المجال بأمريكا الجنوبية.
وقال التقرير إن ارتفاع أحجام الموانئ، وممرات النقل اللوجستي التي تعبر حدودًا ضعيفة الرقابة، والشركات الوهمية المتغلغلة في التجارة المشروعة، والأنظمة الرقابية التي تكافح لمواكبة التطورات، شكلت مجتمعة بيئة مناسبة لنشاط مهربي المخدرات، الذين وجدوا في بعض الدول الإفريقية فرصة لإعادة توزيع تدريجية للأدوار داخل سلسلة التوريد نفسها.
وتنقل "جون أفريك"، عن المحللين، قولهم إنه عندما يشتد ضغط أجهزة إنفاذ القانون في منطقة معينة، يميل المتاجرون بالبشر إلى العودة إلى الطرق المجربة والمختبرة بدلاً من ابتكار طرق جديدة من الصفر. وهكذا تستغل الشبكات الإجرامية نقاط الضعف الموجودة مسبقاً.
وأكد هؤلاء، أن المشكلة الأخطر لا تكمن فقط في نمو الأسواق غير المشروعة، بل أيضاً في السيطرة عليها. ففي نحو نصف الدول الإفريقية، تلعب الجهات الفاعلة المرتبطة بالدولة دوراً مهماً، أو حتى مهيمناً، في الجريمة المنظمة.
واستند تقرير المجلة الفرنسية، إلى بيانات مؤشر الجريمة المنظمة في إفريقيا لعام 2025، الذي نُشر في نوفمبر الماضي، حيث أظهر أن الجريمة المنظمة تنتشر في جميع أنحاء القارة منذ عام 2019، في حين تستمر قدرة الدول على مكافحة النشاط الإجرامي في التراجع.
ويكشف المؤشر، أن 92.5% من الدول الإفريقية تعاني من ضعف في مواجهة الجريمة المنظمة، حيث تواجه 23 دولة منها أخطر مزيج من ارتفاع معدلات الجريمة وضعف المؤسسات. وتُهيمن الجرائم المالية، والاتجار بالبشر والأسلحة، واستخراج الموارد غير المشروعة على الأسواق التي تُفضلها الشبكات العابرة للحدود نظرًا لحجمها، وغموضها، وإمكانية الحصول على غطاء سياسي.
ويؤكد التقرير، أنه لا يوجد بلد يجسد التداخل بين الضعف الداخلي والمصالح الإجرامية الأجنبية أفضل من جنوب إفريقيا. فهي تُصنف ضمن الدول الإفريقية الثلاث الأولى من حيث معدل الجريمة الإجمالي في المؤشر، بينما حصلت على 5.67 نقطة في مؤشر المرونة، وهو أعلى من المتوسط العالمي البالغ 4.78، لتحتل بذلك المرتبة الثالثة في إفريقيا والأولى في منطقة الجنوب الإفريقي.
ووفقاً لـ"جون أفريك"، فإن تنوع المشهد الإجرامي، وشدة العنف، ودور الفساد وتغلغل الدولة في تسهيل الجريمة المنظمة، تجعل من حالة جنوب إفريقيا حالة فريدة. ولذلك، فإن الخطر الأكبر الذي يهدد البلاد لا يكمن في أي سوق غير مشروعة بعينها، بل في كيفية تدخل الجريمة المنظمة في السياسة والمؤسسات.
وفي نيجيريا، تتجذر الجريمة المنظمة بعمق وتتجاوز الحدود. ويصنف المؤشر البلاد ضمن أكثر الدول التي تعاني من الجريمة في القارة، مما يعكس حجم أسواقها غير المشروعة وامتدادها العالمي.
وتقول "جون أفريك"، إن هذه المنطقة تعد وجهة رئيسية ومركزاً مهماً للأسلحة غير المشروعة بسبب النزاعات والفساد وحدودها الرخوة. وتساهم الأسلحة المصنّعة محلياً في زيادة المعروض، بينما تعمل الجماعات المسلحة، بما فيها بوكو حرام وداعش في غرب إفريقيا وقطاع الطرق الإجراميون، كمهربين ومستخدمين نهائيين في آنٍ واحد.
ويعكس استمرار تصنيف نيجيريا في صدارة مؤشرات الجريمة المنظمة ظروفًا هيكلية أكثر من كونه تدهورًا حديثًا. فبينما حققت الإصلاحات المالية الأخيرة في البلاد تحسينات محدودة، يُبرز المؤشر مواطن ضعف مستمرة، تشمل استخدام عائدات الجريمة في تمويل السياسة، وإرهاق أجهزة إنفاذ القانون، والتوسع السريع للاحتيال الإلكتروني.
ويؤكد تقرير "جون أفريك"، أنه في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، ترتبط الجريمة المنظمة ارتباطاً وثيقاً بالصراع. ويصنف المؤشر جمهورية الكونغو الديمقراطية في المرتبة الأولى في إفريقيا من حيث معدل الجريمة، ومن بين الدول الأخيرة من حيث القدرة على الصمود، ويعود ذلك في معظمه إلى الاستخراج غير القانوني للذهب والكوبالت والمعادن الأخرى.
وتُخلط المعادن، وتُعلن بأسماء وهمية، وتُصدّر عبر شركات وهمية قبل دخولها سلاسل التوريد العالمية. وقد أدى الصراع الذي تخوضه حركة إم 23 إلى تكثيف تدفق الأسلحة وإدخال أسلحة أكثر تطوراً، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، مما عزز الاقتصادات غير المشروعة.
وتضيف المجلة، أنه بالنسبة للشبكات الإجرامية التي تواجه ضوابط أكثر صرامة في أماكن أخرى، فإن جاذبية الأمر واضحة. وتنقل عن خبير كونغولي في هذا الشأن، طلب عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية: "ستبحث الشبكات الإجرامية التي تواجه تقلصاً في مساحة عملياتها في الأمريكتين عن مناطق أخرى حيث تكون المخاطر أقل والعوائد أقل شفافية"، مؤكداً أن جمهورية الكونغو الديمقراطية تقدم "هذا المزيج تحديداً".