يرى مختصون فلسطينيون أن إسرائيل بدأت تحولًا خطيرًا في طريقة تعاملها مع الأسرى الفلسطينيين، يتمثل في الانتقال من استهداف المقاتلين خلال الاشتباكات إلى تبنّي سياسة "القتل" داخل السجون، عبر تشريعات تسعى لنزع الشرعية عن الأسرى وتحويلهم إلى مجرمين يُبرَّر إعدامهم بذريعة الأمن.
وبدأت إسرائيل اتخاذ خطوات قانونية وسياسية لتطبيق عقوبة الإعدام ضد أسرى فلسطينيين، خاصة من تطلق عليهم إسرائيل "أسرى النخبة"، وهم عناصر من حركة حماس شاركوا في تنفيذ هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويعكس هذا المسار توظيفًا سياسيًا إسرائيليًا داخليًا أكثر مما يرتبط باعتبارات أمنية، إذ كان وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير أبرز الداعين لتطبيق هذه العقوبة.
يقول الرئيس السابق لهيئة شؤون الأسرى الفلسطينيين، قدورة فارس، إن إسرائيل تمارس الإعدام خارج القانون، لكنه اليوم يُطرح في سياق مختلف، مضيفًا أن "من يقفون خلفه يعلمون أنه لن يضيف شيئًا إلى أمنهم، وإنما يُستخدم في إطار التجاذبات السياسية وعدم قدرة أي تيار على حسم المعركة الانتخابية لصالحه".
وأضاف لـ"إرم نيوز"، أن "هذا التطور خطير بكل تأكيد، ويشكّل محطة في تاريخ إسرائيل، وكيف تحولت تدريجيًا إلى ممرات إجبارية تقودها للاعتقاد بأن مثل هذا التشريع يمكن أن يخدم بقاءها".
وأشار فارس إلى أن إسرائيل تعتبر نفسها في حالة "حرب وجودية"، وهذا القانون هو تعبير عن حالة الاضطراب التي تعيشها الدولة، وليس دليل قوة أو تعزيز الأمن.
وبيّن أن "ردود الفعل الدولية على قرار الاستعداد لتطبيق الإعدام داخل السجون جاءت دون المستوى المطلوب"، معتبرًا أن "هذا المسار يعكس استمرار تقاعس المجتمع الدولي عن اتخاذ مواقف رادعة تلزم إسرائيل بالقانون الدولي".
وأكد فارس أن "هذا القانون لا يعيد رسم قواعد الاشتباك ولا يغيّر طبيعة الصراع الذي سيبقى كما هو، وأن إسرائيل تضيف فقط أسلوبًا جديدًا في محاولاتها لقمع وتطويع الشعب الفلسطيني، لكنها ستكتشف لاحقًا أن ذلك لن يفيدها شيئًا".
من جهته، يرى الباحث في شؤون الأسرى الفلسطينيين، مجدي ياسين، أن ما يجري اليوم داخل السجون الإسرائيلية يمثّل تحولًا خطيرًا في طبيعة التعامل مع الأسرى الفلسطينيين، مشيرًا إلى أن ما يجري "عملية قتل سياسي تحاول النخبة اليمينية في إسرائيل تبريرها بذريعة التهديد للأمن الإسرائيلي".
وأوضح لـ"إرم نيوز" أن "الاستهداف الحالي لم يعد يقتصر على من شاركوا في عمليات اشتباك، بل أصبح استهدافًا سياسيًا لكل فلسطيني، ولكل من يُنظر إليهم كمقاتلين في مواجهة إسرائيل، والهدف الحقيقي من هذا التوجه هو نزع الشرعية عن المقاتلين والأسرى الفلسطينيين وتحويلهم إلى مجرمين يتم التمهيد لشرعنة قتلهم".
ولفت ياسين إلى أن "ما يجري يُعد سابقة قانونية خطيرة في السياق الإسرائيلي، وللمرة الأولى في تاريخ إسرائيل يتم تشريع قانون يسمح بإعدام أسرى داخل السجون، بعد سابقة إعدام أدولف أيخمان عام 1962، المتورط في ما عُرف بالحل النهائي خلال الحرب العالمية الثانية".
وتطرق إلى تداعيات القانون، في حال إقراره وتنفيذه، التي ستكون شديدة الخطورة، وستستدعي تدخلًا عاجلًا لإنقاذ الأسرى الفلسطينيين، معتبرًا أن "إسرائيل تتجه نحو انتخابات يتم فيها تحويل ملف الأسرى إلى ورقة مساومة ومزايدة سياسية داخل الصراع المحتدم بين اليمين وبقايا اليسار الساعي للعودة إلى السلطة".
وشدد ياسين على أنه يجب ممارسة ضغط حقيقي على الدول الراعية للاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الأسرى في زمن الحرب، لإجبار إسرائيل، الموقّعة على هذه الاتفاقيات، على الالتزام بما تنص عليه.
بدوره، اعتبر الباحث في شؤون الأسرى، حسن عبد ربه، أن هذا الإجراء ضمن أشكال وأنماط متعددة لجأت إليها إسرائيل في هذا السياق، إذ أعلنت منذ شهر أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، حالة الطوارئ داخل السجون والمعتقلات، وأوقفت كل أشكال التواصل مع العالم الخارجي، ومنعت الزيارات العائلية وزيارات الصليب الأحمر حتى اليوم.
وأضاف لـ"إرم نيوز" أن "هذه الإجراءات شملت أيضًا الاعتداء على مقتنيات الأسرى ومصادرتها، بما فيها الأغطية والملابس، إلى جانب سياسة التجويع، والاعتداءات الجسدية والجنسية، ومجمل هذه الممارسات أدخلت الحركة الأسيرة في حالة جحيم حقيقية".
وأشار عبد ربه إلى أن هذه السياسات أدّت إلى وفاة نحو 100 أسير فلسطيني داخل السجون الإسرائيلية، في ظل ما وصفه بحالة "تصفية ممنهجة"، مشيرًا إلى أن إسرائيل تعمل حاليًا على إعادة رسم هذه المعادلة عبر سنّ تشريعات وقوانين تستهدف حياة الأسرى من خلال شرعنة إعدامهم.
وبيّن أن "إسرائيل تريد استهداف الأسرى، سواء الذين جرى اعتقالهم خلال تنفيذ هجوم السابع من أكتوبر، ويجري تصنيفهم ضمن قوات النخبة، أو نحو 1200 أسير تصفهم بالمقاتلين غير الشرعيين والذين بات مصيرهم في خطر شديد، خاصة مع إقرار القراءات الأولى لقوانين الإعدام".