logo
العالم العربي

"القرار المسلوب".. مَن يدير الدولة العراقية في زمن الحرب؟

عراقيون يرفعون أعلام إيران والحرس الثوريالمصدر: أ ف ب

يرى مراقبون أن تزايد الهجمات داخل العراق، وتعدد الجهات المنفذة، يكشفان عن خلل أعمق يتجاوز البعد الأمني، ليطال بنية القرار السياسي نفسه، في ظل مؤشرات على وجود مراكز نفوذ موازية تتحرك خارج الدستور، وتؤثر بشكل مباشر على السيادة العراقية. 

أخبار ذات علاقة

وزارة الخارجية العراقية

العراق يرد على تحذيرات واشنطن من هجمات على رعاياها

يأتي ذلك في وقت تتواصل فيه الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ على مواقع عسكرية ودبلوماسية ومنشآت حيوية، وسط غياب إجراءات حاسمة تؤكد قدرة الدولة على فرض قراراتها.

ويفتح هذا الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة الجهة التي تدير المشهد فعلياً، وما إذا كان القرار الأمني بات موزعاً بين أطراف متعددة داخلية وخارجية.

شبكة قرار موازية

في هذا السياق، يرى خبراء أن ما يجري لا يمكن قراءته فقط باعتباره إخفاقاً أمنياً، بل هو انعكاس لحالة تداخل عميق بين السياسة والسلاح، حيث تمتلك بعض القوى أدوات تنفيذ ميدانية لا تخضع بالكامل للمؤسسات الرسمية، ما يخلق بنية قرار مزدوجة داخل الدولة.

الخبير في الشؤون الاستراتيجية علاء النشوع قال إن "الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2005 لم تنجح في بناء دولة بمفهومها القانوني والسياسي، نتيجة المحاصصة والولاءات الخارجية وغياب الحوكمة الرشيدة".

وأضاف النشوع لـ"إرم نيوز" أن "العراق اليوم يمتلك سلطة أكثر مما يمتلك دولة؛ إذ تتحكم الأحزاب السياسية بمفاصل القرار وتوجه الموارد وفق مصالحها؛ ما أضعف قدرة المؤسسات على فرض القانون وحماية السيادة".

وأشار إلى أن "التدخلات الإقليمية والدولية منذ عام 2003 أفرزت واقعاً سياسياً هشاً، حيث لم يعد صانع القرار يمتلك استقلالية كاملة، بل أصبح خاضعاً لتوازنات وضغوط خارجية، وهو ما ظهر بوضوح مع اندلاع الحرب الأخيرة في المنطقة".

قيود على القرار السيادي

ويؤشر هذا الواقع، وفق خبراء، إلى محدودية قدرة الحكومة العراقية على اتخاذ قرارات حاسمة، خصوصاً في الملفات الأمنية والعسكرية؛ إذ تتداخل الاعتبارات السياسية مع حسابات الفاعلين في المنطقة؛ ما يجعل أي خطوة حاسمة محفوفة بمخاطر داخلية وخارجية.

وتشير معطيات ميدانية إلى أن بعض الفصائل المسلحة تمتلك قدرات عسكرية وتنظيمية متقدمة، بما في ذلك منظومات مسيّرات وصواريخ، إلى جانب بنى لوجستية واستخبارية، وهو ما يضعها في موقع فاعل ضمن معادلة القوة، وليس مجرد طرف تابع للدولة.

أخبار ذات علاقة

النيران تلتهم مستودعا نفطيا قرب أربيل

كردستان العراق تحت النار.. "حرب مفتوحة" بعد 600 هجوم

كما أن استمرار هذه الجماعات في تنفيذ عمليات عسكرية داخل العراق وخارجه، دون إعلان حكومي عن ملاحقات واسعة أو إجراءات ردعية، يعزز الانطباع بوجود توازنات غير معلنة تتحكم بإيقاع القرار الأمني، وتحد من قدرة الدولة على فرض إرادتها بشكل كامل.

ساحة مفتوحة للصراع

وفي ظل هذا المشهد، يرى مختصون أن العراق بات أقرب إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، حيث تتقاطع على أرضه مصالح متضاربة، خاصة بين طهران والولايات المتحدة، في وقت لا تزال فيه الحكومة تقول إنها تحاول تجنب الانخراط المباشر في الصراع.

بدوره، قال الخبير الأمني عبد الغني الغضبان إن "تعدد مراكز القرار داخل العراق، سواء السياسية أو العسكرية، خلق حالة من الازدواجية التي انعكست على الأداء الأمني، وأضعفت قدرة الدولة على ضبط السلاح".

وأضاف لـ"إرم نيوز" أن "غياب القرار الموحد يجعل العراق عرضة للاختراق من أطراف خارجية، ويحول أراضيه إلى منصة لتبادل الرسائل العسكرية، خصوصاً في ظل التصعيد الإقليمي".

وأوضح أن "الحكومة تجد نفسها أمام معادلة معقدة، فهي لا تستطيع الدخول في مواجهة مفتوحة، وفي الوقت نفسه تواجه ضغوطاً دولية متزايدة لضبط الوضع الأمني؛ ما يقيّد حركتها ويجعل خياراتها محدودة".

واقع النفوذ

ويذهب مراقبون إلى أن هذا التداخل بين العوامل الداخلية والخارجية أدى إلى نشوء ما يمكن وصفه بـ"الدولة الشكلية"، حيث تبقى المؤسسات قائمة من حيث الهيكل، لكنها لا تمتلك السيطرة الكاملة على أدوات القوة، ولا القرار النهائي في القضايا السيادية. 

أخبار ذات علاقة

جنازة جنديين عراقيين قتلا في غارة استهدفت الحشد الشعبي

اتفاق أمني جديد.. هل تضع بغداد ملف الفصائل بيد واشنطن؟

وفي المقابل، تتشكل شبكات نفوذ موازية تمتلك القدرة على التأثير في القرار السياسي والأمني، سواء عبر أدوات عسكرية أو عبر امتدادات سياسية داخل النظام؛ ما يجعل عملية استعادة الدولة لدورها الكامل أكثر تعقيداً.

ومع استمرار الهجمات وتزايد الضغوط الإقليمية، يواجه العراق تحدياً متصاعداً يتعلق بإعادة تعريف مركز القرار، وتحديد الجهة التي تمتلك الكلمة الفصل في قضايا الحرب والسلم، في وقت تشير فيه المعطيات إلى أن هذا الملف لا يزال خاضعاً لتوازنات قد يصعب تغييرها في المدى القريب.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC