أثار تشكيل لجنة عراقية – أمريكية مشتركة تساؤلات حول خفايا هذا المسار، في ظل الهجمات المتواصلة التي تنفذها ميليشيات مسلحة على منشآت ومواقع داخل العراق، وما إذا كان الإعلان يمثل تحوّلاً في طريقة تعامل بغداد مع هذا الملف المعقد، أم أنه يندرج ضمن محاولات احتواء التصعيد دون الدخول في مواجهة مباشرة.
وأخيراً، أعلنت قيادة العمليات المشتركة في العراق تشكيل لجنة تنسيق عليا مع الولايات المتحدة، في إطار ما وصفته بـ"تعزيز الشراكة الاستراتيجية" بين البلدين، مؤكدة أن الهدف يتمثل في منع الهجمات وضمان عدم استخدام الأراضي العراقية كنقطة انطلاق لأي عمليات عدائية.
وأضافت، في بيان، أن "الجانبين اتفقا على تكثيف التعاون لحماية القوات الأمنية والمرافق الحيوية والبعثات الدبلوماسية، مع التأكيد على إبقاء العراق خارج دائرة النزاع الإقليمي".
وجاء ذلك بعد تصاعد لغة سياسية حادة واتهامات مباشرة وجهها رئيس الوزراء محمد شياع السوداني إلى واشنطن، على خلفية ضربات استهدفت مواقع للحشد الشعبي، إذ اعتبرها انتهاكاً للسيادة العراقية.
ومع توسع الهجمات التي طالت منشآت حيوية ومواقع دبلوماسية، بدا أن بغداد اتجهت نحو خيار التنسيق مع واشنطن كمسار عملي لتقليل المخاطر، خصوصاً في ظل صعوبة السيطرة الكاملة على الفصائل المسلحة، وتعقيد البيئة الأمنية المرتبطة بالصراع الإقليمي.
وبحسب مصدر أمني عراقي مطلع على تفاصيل عمل اللجنة، فإن "الاتفاق بين الجانبين يتضمن إجراءات ميدانية مباشرة، أبرزها إبعاد المعسكرات التي توجد فيها القوات النظامية عن مواقع الفصائل المسلحة، بما فيها بعض تشكيلات الحشد الشعبي، لتجنب استهداف مواقع مشتركة تؤدي إلى خسائر في صفوف القوات الرسمية".
وأوضح المصدر، الذي طلب حجب هويته لـ"إرم نيوز"، أن "بغداد وافقت أيضاً على إعادة تنظيم انتشار بعض القطع العسكرية، بما يتيح تقليل احتمالات تعرضها للقصف، في ظل اعتماد بعض الضربات على معلومات دقيقة بشأن أماكن التمركز المختلطة".
وأشار إلى أن "الأجهزة الأمنية العراقية تواجه صعوبة في فرض قرارات مباشرة على الفصائل، ما دفع الحكومة إلى اللجوء للتنسيق الدولي كخيار أقل كلفة سياسياً وأمنياً".
وبيّن أن "هذا التوجه يعكس عقدة قائمة لدى المؤسسات الرسمية في التعاطي مع الفصائل، نتيجة تداخلها مع المشهد السياسي والأمني، وهو ما يجعل أي خطوة أحادية محفوفة بالمخاطر، ويفتح الباب أمام سيناريوهات تصعيد داخلي غير محسوبة".
لا اعتقالات أو ملاحقات
على الرغم من تصاعد الهجمات خلال الأيام الماضية، اكتفت الأجهزة الأمنية بإصدار بيانات إدانة واستنكار، دون الإعلان عن إجراءات ميدانية واضحة لملاحقة الجهات المنفذة، باستثناء إعلان اعتقال أربعة أشخاص على خلفية إطلاق صواريخ من داخل الأراضي العراقية باتجاه سوريا، في حادثة بقيت محدودة التأثير – وفق مختصين - مقارنة بحجم الهجمات المسجلة.
ويثير هذا الواقع تساؤلات بشأن طبيعة الإجراءات الحكومية، وما إذا كانت تميل إلى إدارة الأزمة بدل حسمها، خصوصاً في ظل استمرار العمليات المسلحة بوتيرة متقاربة، وغياب مؤشرات على تفكيك البنية العملياتية لهذه الفصائل.
بدوره، أوضح الخبير في الشؤون الأمنية كمال الطائي أن "تشكيل لجنة تنسيق مشتركة بين العراق والولايات المتحدة يشير إلى بداية مسار جديد في التعامل مع الفصائل، وإعادة تنظيم المشهد الأمني بشكل أوضح".
وأضاف الطائي، لـ"إرم نيوز"، أن "هناك مؤشرات على وجود خطة تتجاوز المرحلة الحالية، وربما تمتد إلى ما بعد انتهاء الحرب في المنطقة، خصوصاً مع تنامي القناعة بضرورة إعادة ضبط السلاح خارج إطار الدولة، لكن بطريقة تدريجية لا تؤدي إلى انفجار داخلي".
ولفت إلى أن "التحرك الحالي جاء استغلالا من الولايات المتحدة لأوضاع المنطقة ومعالجة ملف الفصائل".
ويرى مختصون أن نجاح هذا النهج يبقى مرتبطاً بقدرة بغداد على تحقيق توازن بين التزاماتها الخارجية وتعقيداتها الداخلية، في ظل بيئة سياسية وأمنية متشابكة، قد تجعل من أي خطوة غير محسوبة مدخلاً لأزمة أوسع، فيما قد تفتح هذه اللجنة، في حال استمر عملها، الباب أمام مقاربة مختلفة لإدارة أحد أكثر الملفات حساسية في العراق.