logo
العالم العربي

خوارزميات وأسلاك ممزقة.. أوروبا في مواجهة "إرهاب داعش الذكي"

مخيم الهول في منطقة صحراوية بمحافظة الحسكةالمصدر: أ ف ب

في منعطف جذري يرسم ملامح "التطرف الرقمي"، تجاوز تنظيم "داعش" حدود التكتيكات التقليدية ليجعل من الذكاء الاصطناعي ركيزة منهجية في استراتيجيته الجديدة. فلم يعد استخدام هذه التقنيات مجرد تجارب عابرة، بل تحول إلى أداة احترافية تُدير عمليات التجنيد العابرة للحدود، وتصيغ الدعاية الموجهة، وترسم مسارات التخطيط الأمني. 

هذا الاختراق الرقمي، الذي يتزامن مع تصدع الجدران الميدانية وهشاشة الأسلاك الشائكة في مخيمات الاحتجاز، يضع العواصم الأوروبية أمام اختبار أمني معقد، حيث يتشابك خطر الخوارزميات الذكية مع زحف المقاتلين على الأرض، ما يفرض واقعًا جديدًا يتطلب إعادة صياغة كاملة لمفهوم مكافحة الإرهاب.

وبينما تتصاعد هذه التهديدات الرقمية، تُعلن أوروبا قلقها من موجة جديدة قد تتشكّل من أبناء مخيمات الاحتجاز في سوريا، في مشهد يكشف أن الحرب على الإرهاب باتت تُخاض على جبهتين في آنٍ واحد: الفضاء الرقمي والأرض الميدانية.

أخبار ذات علاقة

مخيم الهول

"قنبلة موقوتة".. سوريا تُغلق مخيم الهول بالكامل

من مجلة داعش إلى دليل الذكاء الاصطناعي 

كشفت مجلة "بوليتيكو" في تقرير استقصائي أن العددين الأخيرين من مجلة "صوت خراسان"، الناطقة بالإنجليزية والتابعة لتنظيم "داعش خراسان"، تضمّنا صفحات إرشادية مفصّلة حول "الاستخدام المسؤول لروبوتات الدردشة القائمة على الذكاء الاصطناعي"، وتستهلّ المجلة هذا القسم بعبارة استعارية بليغة: "الذكاء الاصطناعي كالنار، يمكنك أن تُضيء به البيت أو تُحرقه".

وتتضمن التوجيهات نصائح بتجنب مشاركة المعلومات الحساسة مع الروبوتات، وعدم رفع الملفات السرية، والابتعاد عن أدوات الذكاء الاصطناعي المرتبطة بالبنية التحتية الإسرائيلية.

ويُوصي التنظيم باستخدام متصفح "Brave Leo" للاستفسارات الحساسة، كونه يُعلي من شأن الخصوصية. وفي عدد سابق، وصف التنظيم إتقان الذكاء الاصطناعي بأنه "فرض عين"، أي واجب ديني يُماثل الصلاة والصيام والحج، مُنهيًا بذلك سنواتٍ من التحفظ الديني على التكنولوجيا الغربية.

وفي تعليقه على هذه التطورات، حذّر جوناثان هول، المستشار المستقل للحكومة البريطانية في قضايا التشريع المضاد للإرهاب، من أن "التقدم في الذكاء الاصطناعي يتسارع بشكل ملحوظ، وتتمكن الجماعات الإرهابية بصورة متزايدة من الوصول إلى هذه التقنيات الجاهزة للاستخدام".

ونبّه إلى احتمال أن "تبدأ الراديكالية عبر روبوتات الدردشة في الاتساع، إذ لا شيء يمنع من إنشاء روبوت جهادي إذا كان بإمكانك إنشاء موقع إرهابي. وإن كان المسؤولون الحكوميون لا يُراقبون تطورات الذكاء الاصطناعي  يوميًا، فعليهم البدء فورًا".

أخبار ذات علاقة

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لعناصر من داعش

داعش والذكاء الاصطناعي.. أدوات متطورة للتجنيد وإرباك العالم

دعاية بالذكاء الاصطناعي وتجنيد رقمي بلا حدود

لا تقتصر الظاهرة على "خراسان"؛ فوفقًا لموقع "PBS News"، حثّ أحد مؤيدي التنظيم مستخدمين آخرين على تبنّي الذكاء الاصطناعي بالكامل قائلًا: "حوّلوا كوابيس الاستخبارات إلى حقيقة". وأفادت وكالة "أسوشيتد برس" بأن "داعش" و"القاعدة" نظّما ورش عمل تدريبية لأنصارهما على استخدام هذه التقنيات.

وبحسب تقرير مركز سوفان (ديسمبر/ كانون الأول 2025)، يقف "داعش خراسان" "في طليعة التجربة بالذكاء الاصطناعي لتحسين صدى عملياته الإعلامية والدعائية وتوسيع نطاقها".

كذلك وثّق معهد GNET البريطاني المتخصص في الإرهاب كيف أطلق التنظيم برنامجًا إخباريًا مُولَّدًا بالذكاء الاصطناعي، يضم مذيعًا افتراضيًا يحاكي الصحفيين الحقيقيين، لبثّ الدعاية في قالب يوحي بالمصداقية.

وحذّر خبراء من أن الذكاء الاصطناعي بات يُتيح ترجمة المواد الدعائية إلى عشرات اللغات في لحظات، ما يوسّع نطاق التجنيد ليشمل مجتمعات لم تكن في متناول التنظيم من قبل.

مخيم الهول.. من قفص الاحتجاز إلى بؤرة تجنيد 

في موازاة هذا التحول الرقمي الخطير، تتصاعد على الأرض أزمة من نوع آخر، قد تُمدّ "داعش" بالوقود البشري الذي يحتاجه لإعادة بنائه. فقد رصدت وكالة "رويترز" مذكرةً داخلية سرّية، أرسلتها الرئاسة القبرصية لمجلس الاتحاد الأوروبي بتاريخ 23 فبراير/ شباط 2026، تُحذّر فيها من "خروج جماعي غير منضبط" لآلاف المحتجزين وذويهم من "مخيم الهول" في شمال شرق سوريا، مشيرةً إلى احتمال تجنيد جماعات مسلحة لهؤلاء الفارّين.

وبحسب ما أوردته صحيفة "وول ستريت جورنال" في هذا الصدد أيضًا، قدّرت الاستخبارات الأمريكية أن ما بين 15 إلى 20 ألف شخص فرّوا من المخيم، فيما أشار دبلوماسيون غربيون إلى أن أكثر من 20 ألف شخص غادروه في غضون أيام قليلة إبّان موجة من الفوضى وأعمال الشغب. ولم يتبقَّ فيه بحلول 15 فبراير/ شباط سوى 300 إلى 400 عائلة، قبل أن تُعلن السلطات السورية إغلاقه رسميًا في 22 فبراير/ شباط.

وقد وثّق تقرير لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" الملابسات الخطيرة التي أحاطت بهذا الخروج الجماعي، مشيرًا إلى أن "فراغًا أمنيًا استمرّ لساعات خلال عملية التسليم الفوضوية أدّى إلى هروب الآلاف، بمن فيهم أشخاص يُشتبه في ارتباطهم بداعش". وشدّد على أن "مغادرة النساء والأطفال بهذه الطريقة الفوضوية يُعرّضهم لمخاطر جسيمة، منها الاتجار بالبشر والتجنيد من قِبل الجماعات المسلحة".

أخبار ذات علاقة

معتقلون في مخيم الهول

الاستخبارات الأمريكية: 20 ألفا من عناصر داعش طلقاء بعد فتح مخيم الهول

وكان المخيم يضمّ، بحسب تقرير المفتش العام لوزارة الدفاع الأمريكية الصادر نهاية 2025، نحو 23 ألف شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال، فضلًا عن نحو 6,280 من مواطني أكثر من 40 دولة. وتعقّد المشهد أكثر حين انتقلت السيطرة على المخيم إلى قوات الحكومة السورية في يناير/ كانون الثاني 2026، إثر انسحاب قوات سوريا الديمقراطية في 20 يناير/ كانون الثاني، وهو ما وصفته دمشق بأنه "انسحاب من دون أي تنسيق".

وفي تقييم الاتحاد الأوروبي، وُصفت قدرة دمشق على إدارة هذه المنشآت بأنها "محدودة وتواجه تحديات تشغيلية جسيمة". وأضافت المذكرة أن نية الحكومة السورية المُعلنة بإغلاق المخيم تدريجيًا "جرى تجاوزها بفعل الأحداث المتلاحقة". وزاد من تعقيد الصورة ما كشفه تقرير أممي من أن الرئيس السوري أحمد الشرع واثنين من وزرائه تعرّضوا لخمس محاولات اغتيال فاشلة نفّذها "داعش" في العام الماضي وحده.

وحذّرت كارولين روز، مديرة محفظة "الجريمة-النزاع" في مركز "نيو لاينز"، من أن "تمكّن المحتجزين المتطرفين من دعم هجمات "داعش" أو الإسهام في تنامي التنظيم خلال العام أو العامين المقبلين قد يُمثّل ضربة موجعة للحكومة السورية".

كذلك خلص تقرير رُفع إلى الكونغرس الأمريكي إلى أن الفارّين يواجهون "خطرًا حقيقيًا للتجنيد داخل التنظيم نظرًا لهشاشتهم وانعدام آفاقهم الاقتصادية".

أما "مخيم روج" الذي لا يزال تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، فيحتضن نحو 8,500 شخص، وتُحذّر المذكرة الأوروبية من "وجود أسباب وجيهة للقلق" إزاء احتمال فرارهم.

تحوّل أيديولوجي بامتياز 

يرى أفي جاغر، المدير الأول في شركة Alice للأمن المعلوماتي، أن التوجيهات الأخيرة لا تمثّل مجرد نصائح تكتيكية، بل "تحوّل أيديولوجي عميق بعواقب بعيدة المدى". فبعد سنوات من التحفظ على التكنولوجيا، بات "داعش خراسان" يُقرّ رسميًا باستخدام الذكاء الاصطناعي ويُرسي له أطرًا دينية.

وبينما تتسرّب الأيديولوجيا عبر الخوارزميات، ويتسرّب المقاتلون عبر الأسلاك الشائكة الممزّقة لمخيمات الاحتجاز، تجد حكومات أوروبا نفسها أمام تهديد مزدوج يستدعي إعادة النظر الشاملة في منظومة مكافحة الإرهاب، قبل أن يُحكم الإرهاب الذكي قبضته.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC