بعد عام كامل من عودته الصاخبة إلى البيت الأبيض.. لم تعد قضية الهجرة في الولايات المتحدة مجرد ملف سياسي خاضع للتفاوض بل تحولت في عهد دونالد ترامب إلى "ساحة معركة" مفتوحة.
استطاع ترامب خلال عام 2025 أن يقلب موازين الديموغرافيا والأمن على الحدود منفذاً إستراتيجية وصفت بالأعنف في تاريخ أمريكا الحديث ومحولاً وعوده الانتخابية إلى واقع عسكري ولوجستي معقد يثير جدلاً لا يهدأ داخل أمريكا وخارجها.. فهل نجح ترامب في حسم ملف الحدود؟
حملة ساحقة.. ترامب يعلنها حرباً على المهاجرين
منذ اللحظة الأولى لتنصيبه مطلع عام 2025 نقل الرئيس ترامب ملف الهجرة من أروقة الإجراءات المدنية إلى خانة "الأمن القومي" الصرف.. وبموجب حالة طوارئ وطنية أُعلنت مساحات شاسعة من الحدود مناطق عسكرية مغلقة حيث انتشر أكثر من 8,500 جندي من قوات النخبة لتشكيل جدار بشري وتقني غير مسبوق.
تقول صحيفة تايمز البريطانية إن هذا التحول لم يقتصر على الوجود العسكري بل شمل "سلاح التكنولوجيا" حيث جرى تحويل تطبيق "سي بي بي ون" (CBP One) من بوابة لتنظيم اللجوء إلى أداة ضغط لتسهيل ما يُعرف بـ "الترحيل الذاتي" وبات طلب اللجوء عند الحدود شبه مستحيل حيث لم يُسمح لأي موقوف خلال الأشهر السبعة الماضية بالبقاء داخل البلاد فيما توسعت عمليات الترحيل الجوي للمهاجرين إلى دول مستعدة لاستقبال رعاياها وفرضت قيود سفر وتأشيرات على 35 دولة؛ ما أدى إلى انهيار تاريخي في محاولات العبور بنسبة تجاوزت 95% من ربع مليون حالة شهرياً إلى أقل من 12 ألفاً فقط ووفقاً للتقرير .
وثائق تكشف خطة ترامب لاحتجاز آلاف المهاجرين
كشفت وثائق داخلية لهيئة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) عن خطة لإعادة هيكلة نظام احتجاز المهاجرين عبر تحويل مستودعات صناعية ضخمة إلى مراكز احتجاز قادرة على استيعاب أكثر من 80 ألف مهاجر في وقت واحد لتسريع عمليات الترحيل ووفقاً لصحيفة واشنطن بوست.
و تهدف الخطة إلى إنشاء سبعة مراكز كبيرة يستوعب كل منها 5 آلاف إلى 10 آلاف محتجز إلى جانب 16 منشأة أصغر تستوعب حتى 1500 شخص مع الاستعانة بمتعاقدين من القطاع الخاص لتشغيل المرافق.. وتخطط الإدارة لتطبيق نظام "تغذية منظم" حيث يُحتجز المهاجرون الجدد في مراكز معالجة أولية لأسابيع قبل نقلهم إلى المستودعات الكبرى.
وستُقام المستودعات الجديدة قرب عقد لوجستية رئيسة في ولايات فيرجينيا وتكساس ولويزيانا وأريزونا وجورجيا وميزوري.. وتؤكد الوثائق المسربة أن الهدف من هذه المرافق هو "تعظيم الكفاءة و تقليل التكاليف وتسريع إجراءات المعالجة والترحيل مع الحفاظ على السلامة والكرامة والاحترام للمحتجزين".. إلا أن الخطة تواجه تحديات لوجستية هائلة وفقاً للصحيفة.
ترامب يعسكر الأحياء الأمريكية
لا يبدو أن عام 2026 سيكون أقل وطأة حيث يستعد ترامب لتوسيع "حرب الهجرة" بتمويلات إضافية مرعبة.. فبعد سيطرة الجمهوريين على الكونغرس أُقرت حزمة إنفاق تمنح وكالات إنفاذ القانون 170 مليار دولار حتى عام 2029 وهو قفزة جنونية مقارنة بالميزانيات السابقة التي لم تكن تتجاوز 19 ملياراً.
هذه الأموال ستُوجّه لتوظيف آلاف العناصر الجدد وعسكرة الأحياء السكنية.. وبالفعل بدأت قوات الهجرة بمداهمة المدن الكبرى وهو ما زرع الرعب في أوساط الجاليات اللاتينية.. ورغم أن الإدارة تجنبت حتى الآن ضرب عصب الاقتصاد "المزارع والمصانع" إلا أن التوقعات تشير إلى أن عام 2026 سيشهد مداهمات لمواقع العمل الكبرى؛ ما يهدد بصدام مباشر مع قطاعات الأعمال الحيوية.
العواقب الاجتماعية والانتخابية
رغم نجاح سياسات ترامب في الحد من تدفق المهاجرين إلا أن هذا النجاح جاء بثمن اجتماعي واقتصادي.. في مدن مثل ماكالين جنوب تكساس يشكو التجار من تراجع حركة الزوار القادمين من المكسيك، كما انخفض عدد المصلين في الكنائس بعد أن اختارت عوائل بأكملها البقاء في منازلها خوفاً من المداهمات الخاطفة.
وأعرب العديد من الناخبين اللاتينيين عن شعورهم بالخوف والاستياء من هذه السياسات التي أثرت على حياتهم اليومية وعلاقاتهم بالمجتمع.. كما واجهت سياسة ترامب من المهاجرين انتقاداً لاذعاً من الفاتيكان باعتبارها خيانة للقيم المسيحية.
ومع ذلك تشير استطلاعات رأي نقلتها صحيفة التايمز إلى أن سياسات ترامب الحدودية ما زالت تحظى بتأييد واسع بنسبة 50% مقارنة بسياسات اقتصادية أخرى لم تتجاوز 31%.. غير أن المداهمات المكثفة قد تؤدي إلى نفور الناخبين اللاتينيين الذين كانوا أحد أعمدة دعم ترامب كما شهدت الانتخابات البلدية الأخيرة تحولاً واضحاً في ميامي ونيوجيرسي نحو الديمقراطيين؛ ما شكل خسائر للحزب الجمهوري.
خلاصة القول.. نجح ترامب في خفض أعداد العابرين للحدود لكنه أشعل في المقابل عاصفة من الخوف والانقسام داخل المجتمع الأمريكي.. وبين من يرى في هذه السياسات إنقاذاً للأمن القومي ومن يعتبرها تهديداً لقيم البلاد يبقى ملف الهجرة مفتوحاً على مزيد من الجدل والتصعيد.