
في تايوان، لم تُقرأ الحرب على إيران بوصفها حربًا بعيدة جغرافيًا فحسب، بل كإنذار استراتيجي قريب يثير أسئلة مقلقة داخل الجزيرة. فالفكرة التي بدأت تتردد في تايبيه تبدو بسيطة، لكنها شديدة الحساسية، ماذا لو انشغلت واشنطن بحرب مفتوحة في الشرق الأوسط، في وقت تحتاج فيه تايوان إلى دعم أمريكي في مواجهة الضغوط الصينية؟
هذا السؤال لم يعد نظريًا، فمع اتساع أي مواجهة تقودها الولايات المتحدة في منطقة أخرى من العالم، يزداد القلق في تايوان من أن يتراجع تركيز واشنطن على شرق آسيا، وأن تتحول مواردها وذخيرتها واهتمامها السياسي والعسكري إلى جبهة أخرى، وهنا بالتحديد بدأ الارتباك يتسلل إلى الحسابات التايوانية، ليس لأن إيران تمثل تهديدًا مباشرًا للجزيرة، بل لأن الحرب هناك قد تمنح الصين مساحة أوسع للتحرك والضغط.
وبحسب ما أوردته شبكة CNN، فإن هذا السيناريو يثير مخاوف من أن تجد بكين نفسها أمام فرصة إضافية لتكثيف ضغوطها على تايوان، سواء عسكريًا أم سياسيًا أم حتى نفسيًا، في ظل احتمال انشغال الولايات المتحدة بأزمة أخرى تستنزفها لفترة طويلة.
لكن تأثير الحرب على إيران لم يتوقف عند هذا الحد، بل امتد إلى الداخل التايواني نفسه، حيث أعاد إشعال الجدل القديم حول الطريقة المثلى لحماية الجزيرة، فهل يتحقق الأمان عبر مزيد من التسليح الأمريكي وتعزيز الردع؟ أم عبر خفض التوتر مع بكين وفتح باب أوسع للحوار معها؟
ويزداد هذا الجدل تعقيدًا مع استمرار تأخر وصول بعض الأسلحة الأمريكية التي دفعت تايوان ثمنها منذ سنوات، وهو ما يمنح خصوم خيار التصعيد العسكري حجة إضافية للتشكيك في جدوى الاعتماد الكامل على واشنطن.
ومن هنا، انقسمت الرسالة السياسية داخل تايوان بوضوح، فالسلطة ترى أن الردع أولًا، وأن تقوية العلاقة مع الولايات المتحدة ضرورة لا يمكن التخلي عنها في ظل تصاعد التهديد الصيني. في المقابل، تقول المعارضة إنه إذا كانت أمريكا قد تنشغل بحروب أخرى، فلا بد من إبقاء قنوات الحوار مع الصين مفتوحة، وهو ما تجلّى أيضًا في زيارة زعيمة المعارضة التايوانية إلى الصين.
هكذا، لم تُربك الحرب على إيران الخريطة العسكرية في المنطقة فحسب، بل أربكت أيضًا تعريف الأمن نفسه في تايوان، وبين خيار الاحتماء بأمريكا أو تجنب استفزاز الصين، تجد الجزيرة نفسها أمام واحد من أكثر أسئلتها الاستراتيجية تعقيدًا.