سلسلة غارات إسرائيلية على جنوب لبنان بعد إيعاز نتنياهو بهجمات ضد حزب الله

يرى نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، مارك فايفر، أن ما تشهده المنطقة لا يعكس خفضاً حقيقياً للتصعيد، معتبراً أن هناك "عملية إدارة دقيقة" للأزمة من خلال المفاوضات الجارية في إسلام آباد.
ويعتقد فايفر أن التوتر بات يتركز في مضيق هرمز، لتتحول الحرب من إطلاق الصواريخ إلى احتجاز ناقلات ومواجهات بحرية بين الولايات المتحدة وإيران، ما يضع الممرات الحيوية والاقتصاد العالمي تحت ضغط متزايد.
وفي حوار مع "إرم نيوز"، يضيف مؤسس شركة "أوف ذا ريكورد ستراتيجيز" أن المشهد لا يزال هشاً في ظل استمرار الصراع البحري، ما تسبب بأزمة اقتصادية خانقة لإيران.
وبينما تعاني طهران اقتصادياً، مع تواصل انهيار عملتها مقابل الدولار، فإن واشنطن بدورها تتعرّض لضغوط نتيجة تأثير الحرب على أسعار النفط والغاز، ما قد ينتج عنه تضخم واضطراب في الأسواق العالمية، بحسب مارك فايفر.
ويؤكد أن هذه التطورات لا يمكن فصلها عن السياسات الداخلية الإيرانية والأمريكية معاً، حيث تلعب الاعتبارات الانتخابية دوراً في توجه مسار الصراع، محذّراً من أن استمرار مخاطر سوء التقدير قد يقود إلى تداعيات أوسع على المستوى العالمي.
وتالياً، نص الحوار:
-تمديد وقف إطلاق النار مع إيران يُقدَّم كنجاح دبلوماسي، لكن على الأرض لم تتراجع مؤشرات التوتر.. هل نحن أمام تهدئة حقيقية أم مجرد إدارة مؤقتة للأزمة؟
ما يحدث ليس تهدئة للأزمة، بل هو في الحقيقة إدارة للأمور، حيث كانت الساعات الـ 21 في إسلام آباد بمثابة لقاءات مباشرة لأول مرة منذ سنوات، ولكن دون التوصل إلى اتفاق، ومنذ ذلك الحين، انتقلت المفاوضات من إسلام آباد إلى البحر، أي إلى مضيق هرمز، وما لم يُحسم على طاولة المفاوضات يُحسم الآن في عرض البحر.
والمحادثات هي الإشارة، والمضيق هو القرار، والقوات الخاصة تصعد على متن السفن، ويتم الاستيلاء على ناقلات النفط، والقوات البحرية تتواجه وجهاً لوجه، إيران تطلق النار على السفن وتستولي عليها، بما في ذلك سفينة مرتبطة بالهند، كانت تحاول نقل النفط الإيراني إليها، ثم قامت القوات الأمريكية بالصعود على متن ناقلة نفط مرتبطة بإيران والاستيلاء عليها رداً على ذلك.
بالتالي، هذه الأحداث مستمرة في مضيق هرمز، في عرض البحر، والآن، لقرب المضيق من إيران، فهم يحددون وتيرة الأحداث، لكن كلا الجانبين ما زال يمارس الضغط، ولم يتغير شيء جوهرياً منذ مفاوضات إسلام آباد وحتى اليوم.
-التضارب في الرسائل السياسية بين واشنطن وطهران يقابله احتكاك ميداني مستمر، إلى أي مدى يعكس ذلك هشاشة التفاهمات الحالية واحتمال انزلاقها إلى جولة أكثر تعقيداً؟
الوضع هشّ لأن الضغط لم يتوقف على الأرض، وفي البحر، بل ما زال يتزايد، وهذا ليس استقراراً، بل مواجهة يومية، وكلا الجانبين تحت وطأة الضغط.
إيران تعاني من ضغوط شديدة، حيث يبلغ معدل التضخم فيها حوالي 50%، أما عملتها، الريال، فتبلغ قيمتها حوالي 1.5 مليون ريال لكل دولار أمريكي، أي أنها تعاني من انخفاض حاد في قيمتها وتتجه نحو الانهيار، والنظام الإيراني يسعى إلى استخدام نفوذه.
أما الولايات المتحدة فتشعر بالضغط أيضاً، أسعار النفط مرتفعة، وأسعار الغاز في ازدياد، وهذا الضغط ينتقل مباشرة إلى التضخم وإلى الأسواق العالمية، بالتالي هناك وضع بالغ الصعوبة، وضغط كبير على الولايات المتحدة أيضاً.
ونشهد تباطؤاً في حركة الشحن، وارتفاعاً حاداً في أسعار التأمين، وتضييقاً في سلاسل التوريد، لذا، تشعر إيران بهذا أولاً، ثم يشعر به العالم لاحقاً، وهذه ليست مؤشرات على الاستقرار، بل مؤشرات على مواجهة مستمرة ومحاولة استغلال النفوذ وممارسة الضغط في كل منعطف ممكن.
-ما الذي تغير في حسابات الولايات المتحدة حتى تقبل بتمديد الهدنة في هذا التوقيت تحديداً؟ وهل يرتبط القرار باعتبارات عسكرية ميدانية أم بضغوط دولية تتعلق بأمن الطاقة؟
الأمر يتعلق بالسياسة الداخلية، إيران على موعد مع انتخابات الشهر المقبل، والرئيس ترامب على موعد مع انتخابات نوفمبر، لذا، كلاهما ينظر إلى جمهوره المحلي بقدر ما ينظر إلى جمهوره العالمي.
والآن، يفكر ترامب -وأفترض ذلك- في الولايات المتأرجحة، ولا سيما منطقة حزام الصدأ، وهي التي ستحسم نتيجة الانتخابات، وفي هذه الولايات، يعاني الناس من وطأة التضخم، ويشهدون ارتفاعاً في أسعار البنزين، وهذه هي العوامل التي ستؤثر فعلاً على خياراتهم الانتخابية.
لذا فهو يحاول الموازنة بين الضغط على إيران والضغط على المستهلك الأمريكي، إنها موازنة بالغة الصعوبة، وفي الوقت الراهن، يتزايد الضغط على كلا الجانبين.
-شلل الملاحة في مضيق هرمز خلال أيام قليلة فقط، أعاد طرح سؤال "هشاشة الأمن البحري العالمي"، هل تملك واشنطن فعلياً أدوات ردع كافية لمنع تكرار هذا السيناريو؟
يحمل مضيق هرمز حوالي 20% من نفط العالم، وتعبره عادة نحو 130 سفينة يومياً، حيث يمر عبره ما بين 10 إلى 20 مليون برميل من النفط، وتشمل هذه البضائع الغاز المسال والنفط وأنواعاً أخرى كثيرة.
بالتالي، ليس هناك حاجة لإغلاق كامل، بل إتاحة الفرصة، فإذا حاول أحدهم تحري سفينته، فسيتم إيقافها، لذا، فإن أي تعطيل كافٍ للإيرانيين لممارسة الضغط والحصول على نفوذ، وهذا بدوره يرفع الأسعار، ويؤخر الشحنات، ويؤثر سلباً على الأسواق العالمية.
في الوقت نفسه، تمتلك الولايات المتحدة القوة العسكرية، وبإمكانها فعل ذلك، وهدد ترامب بتدمير إيران بضرب مختلف أنواع البنية التحتية، لكنه لم يفعل ذلك حتى الآن، كما لا يعتقد معظم الناس أنه ينوي فعل ذلك فعلاً، إنه يستخدم ذلك فقط للتخويف.
لكن الأمر يتعلق بهذا، وبالنفوذ الاقتصادي الناتج عن تعاون وزارة الخزانة الأمريكية مع وزارة الخارجية الأمريكية لمحاولة إيقافهم اقتصادياً، لذا، في البحر، إيران هي من تحدد وتيرة الأحداث، وفي الشؤون المالية، الولايات المتحدة هي من تحددها، المسألة ببساطة هي من يستسلم أولاً.
-في ظل استهداف السفن التجارية واحتجاز بعضها، هل يمكن اعتبار ما يجري في هرمز تحولاً نوعياً في قواعد الاشتباك، أم أنه مجرد رسالة ضغط إيرانية محسوبة ضمن سقف الهدنة؟
هناك تحول في كيفية ممارسة الضغط، لذا نرى سفناً تُوقف، وتُفتش، وتُصادر، وتُطلق عليها النيران، وأصبح عبورها رهناً بقرارات إيران، سفينةً تلو الأخرى، وشحنةً تلو الأخرى، وبرميل نفط تلو الآخر.
عندما تمنع مرور السفن، فأنت تملك كل سفينة في ذلك الممر، وتحاول إيقافها أو فرض رسوم عليها واستغلالها قبل السماح لها بالمرور، وهذه حركة مُقيدة في ممر طاقة عالمي، وكل يوم يحدث فيه ذلك يُعرّضنا لخطر سوء التقدير واتخاذ قرارات خاطئة قد تضر بالناس، وقد تضر بأسواق الطاقة الدولية، وستكون لها عواقب وخيمة على اقتصادات العالم أجمع.