أثارت الأنباء حول بحث توجيه ضربة أمريكية إسرائيلية محدودة لإيران، بالتزامن مع المحادثات المحتملة في إسلام آباد، تساؤلات حول دوافع ومبررات هذه الضربة.
وجاء ما نشرته "القناة 12" العبرية، عن تداول خيار توجيه ضربة قصيرة ضد إيران، مع ترقب استئناف الاتصالات حول وقف إطلاق النار الذي أعقب الحرب في إيران، وبالتزامن مع جولة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى إسلام آباد وموسكو ومسقط لبحث التطورات الإقليمية وجهود إنهاء الحرب.
وتضع طهران الزيارة في هذا الإطار، وتعرضها باكستان ضمن اتصالاتها مع إيران ومساعيها لخفض التصعيد، بينما ترد معلومات عن دور روسي وعُماني محتمل في تقريب المواقف؛ ما يمنح هذا التزامن الإشارة الإسرائيلية وزنها السياسي؛ لأنها تضع خيار الضربة المحدودة داخل مناخ ضغط يسبق أي استئناف للتفاوض، مع بقاء المسار الفعلي للجولة الثانية مرتبطًا بما ستنتجه الاتصالات خلال الساعات المقبلة.
وتتعامل واشنطن وتل أبيب مع وقف إطلاق النار كمساحة ضغط على طهران قبل أي عودة إلى الطاولة، فقد أظهرت الجولة الأولى في إسلام آباد صعوبة تحويل الاشتباك إلى تفاهم سريع، ودفعت ملفات الحصار البحري ومضيق هرمز والبرنامج النووي إلى واجهة النقاش.
ويقوم طرح الضربة القصيرة على استخدام القوة المحدودة لرفع مستوى الضغط قبل أي جولة جديدة، عبر استهدافات منتقاة تمنح واشنطن وتل أبيب ورقة تفاوضية إضافية، مع إبقاء التصعيد ضمن سقف زمني محدود.
ففي الحساب الأمريكي، يرتبط هذا الضغط بانتزاع التزامات إيرانية قابلة للتحقق في الملف النووي وترتيبات الممرات البحرية، وفي الحساب الإسرائيلي يرتبط بمنع طهران من استثمار الوقت لترميم قدراتها بعد وقف إطلاق النار، حيث يظهر التلويح بضربة محدودة كرسالة قاسية لطهران قبل استئناف الاتصالات.
ويحمل هذا الطرح مخاطرة واضحة؛ لأن الضربة المحدودة لا تضمن بقاء الرد الإيراني محدودًا، وأي احتكاك حول الممرات البحرية قد يوسّع أثر العملية خارج نطاقها الأول.
وعليه، فإن واشنطن وتل أبيب يستطيع كل منهما تحديد توقيت الضربة وأهدافها، لكن طهران تملك هامشًا في اختيار شكل الرد ومكانه؛ ما يجعل أي عملية قصيرة قابلة للتحول إلى موجة تصعيد يصعب ضبطها سياسيًا وأمنيًا.
وتنظر إسرائيل إلى مرحلة ما بعد الحرب من زاوية تثبيت المكسبين العسكري والسياسي؛ فهي تريد إظهار قدرتها على الضرب بعد وقف إطلاق النار، وتريد في الوقت نفسه دفع الوسطاء وطهران إلى التعامل مع المسار التفاوضي كسقف زمني ضيق. لذلك يخدم طرح العملية القصيرة خطابًا داخليًا عن استمرار الردع، ورسالة خارجية مفادها أن الهدنة ستبقى مرتبطة بضغط زمني على طهران.
يدفع هذا الحساب إسرائيل إلى تنسيق أشد مع واشنطن؛ لأن أي عملية ضد إيران تحتاج إلى غطاء أمريكي سياسي وعسكري، كما تحتاج إلى إدارة دقيقة لتداعياتها على القواعد الأمريكية والممرات البحرية وأسواق الطاقة.
كذلك تدرك تل أبيب أن ضربة محدودة قد ترفع الضغط على طهران قبل الجولة المحتملة، لكنها قد تفتح أيضًا مسارات رد في المنطقة أو عبر ساحات إقليمية أخرى؛ الأمر الذي يجعل الخيار العسكري القصير ورقة ضغط عالية الكلفة.
وتدفع واشنطن الحصار البحري والحضور العسكري إلى واجهة التفاوض، وتربط أي تخفيف للضغط بتحولات ملموسة في الموقف الإيراني.
وقد عكست تصريحات وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث هذا التوجه، حين تحدث عن اتساع الحصار وعن امتلاك طهران فرصة لعقد اتفاق جيد، وهي صيغة تجعل التفاوض متاحًا تحت ضغط عسكري واقتصادي مباشر، وتحوّل الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز إلى جزء من شروط الجولة المقبلة.
ويرتبط هذا الضغط أيضًا بحسابات الطاقة والحلفاء؛ فالتصعيد حول إيران يطال الصين وروسيا عبر الممرات وأسعار النفط، ويؤثر في الاقتصادات الآسيوية المرتبطة بتدفقات المنطقة، ويدفع أوروبا إلى مراقبة كلفة الشحن والتأمين والاضطراب المحتمل في الإمدادات.
لذلك تحاول واشنطن رفع الكلفة على طهران مع إبقاء الأسواق ضمن حدود قابلة للضبط، وهي معادلة قد تتعثر سريعًا إذا ردت إيران في المنطقة أو حول هرمز.
وتملك الجولة الثانية المحتملة في إسلام آباد قيمة عملية إذا نجحت في تثبيت قناة اتصال مستقرة بعد تعثر الجولة الأولى، فالملفات المطروحة تتجاوز جدولًا تفاوضيًا سريعًا، من وقف الحرب وحصار الموانئ ومضيق هرمز إلى الملف النووي وترتيبات الملاحة.
وتستطيع باكستان أن تؤدي دورًا محدودًا في تمرير الرسائل، مستفيدة من علاقتها بإيران واتصالاتها مع واشنطن، فيما تمنح جولة عراقجي إلى موسكو ومسقط بعدًا إضافيًا لمحاولات تقريب المواقف.
لذا فإن أي تقدم في هذا المسار سيبقى مرتبطًا بقدرة الأطراف على منع الضغط العسكري من تعطيل الاتصالات قبل أن تتحول إلى تفاوض فعلي.