لم يكن حجم الاغتيالات التي طالت القادة الإيرانيين خلال الضربات الأمريكية - الإسرائيلية الأخيرة هو العنصر الأبرز، بل طبيعة هذه الأهداف.
التدقيق في الأسماء يكشف نمطاً ثابتاً؛ حيث ركز الاستهداف على الحرس الثوري وأذرعه، في مقابل غياب شبه كامل لقيادات الجيش النظامي الإيراني "الأرتش"، رغم حضورها في مواقع عسكرية رفيعة.
تُظهر قوائم القتلى التي وثقتها تقارير وكالة "رويترز" ووسائل إعلام إيرانية وعالمية أن الضربات طالت مركز الثقل داخل الحرس الثوري، من الصف الأول حتى القيادات الوسطى.
من بين الأسماء البارزة محمد باكبور، القائد العام للحرس، وغلام رضا سليماني قائد الباسيج، وعلي رضا تنكسيري قائد بحرية الحرس، إضافة إلى مجيد خادمي رئيس جهاز الاستخبارات. كما شملت الضربات قادة مرتبطين بالقوة الجوفضائية ووحدات المسيّرات، وهي مفاصل أساسية في إدارة العمليات.
وتشير تقديرات نقلتها تقارير إعلامية إلى أن عدد القتلى من القادة العسكريين والأمنيين تجاوز 40 إلى 50 شخصية، معظمهم من الحرس أو الأجهزة المرتبطة به؛ ما يعكس تركيزاً واضحاً على البنية التي تدير القرار العسكري والتنفيذ الميداني.
في المقابل، لا تظهر قيادات الجيش النظامي ضمن هذه القوائم، رغم أن الضربات طالت شخصيات عليا مثل رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي ووزير الدفاع عزيز نصير زاده، إلا أن هذه المناصب تقع في موقع إشرافي أعلى يشمل الحرس والجيش معاً، ولا تمثل "الأرتش” كقوة مستقلة.
أما القيادات التشغيلية للجيش، مثل قادة القوات البرية والجوية والبحرية النظامية، فلا تظهر ضمن بنك الأهداف المعلن، رغم أنهم يشكلون العمود الفقري للمؤسسة العسكرية التقليدية، وهذا الغياب لا يبدو تفصيلاً عابراً، بل يعكس موقعاً مختلفاً في معادلة القوة.
تفسير هذا التباين يرتبط بطبيعة توزيع السلطة داخل النظام الإيراني. فبحسب تقارير رويترز، يقود الحرس الثوري فعلياً استراتيجية الحرب، خصوصاً في ملفات الصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة والعمليات الإقليمية. هذه القدرات، التي تشكل العمود الفقري لأي مواجهة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، تقع ضمن هيكل الحرس، فيما يظل دور الجيش تقليدياً يركز على الدفاع والسيطرة البرية.
هذا التمايز يجعل الحرس هدفاً مباشراً في أي محاولة لتعطيل القدرة الهجومية للنظام، بينما يبقى الجيش خارج دائرة الاستهداف؛ لأنه لا يشكل مركز المبادرة في الصراع.
في هذا السياق، يرى الباحث في الشأن الإيراني محمد صالح الفتيح أن "الضربات لم تكن تستهدف الجيش بوصفه مؤسسة عسكرية، بل استهدفت البنية التي تدير القرار الأمني - العسكري داخل إيران، وهي الحرس الثوري وأجهزته".
ويضيف أن "التمييز بين الحرس والجيش ليس تفصيلاً تنظيمياً، بل يعكس طبيعة النظام نفسه، حيث تم نقل مركز الثقل تدريجياً من المؤسسة العسكرية التقليدية إلى بنية ثورية - أمنية مرتبطة مباشرة بالمرشد".
ويشير الفتيح إلى أن "استهداف قيادات الحرس، خصوصاً في مجالات الصواريخ والمسيّرات والاستخبارات، يكشف أن المعركة تدور حول تعطيل أدوات الهجوم، لا إضعاف الدولة ككل"، موضحاً أن "الجيش النظامي، رغم حجمه، لا يلعب الدور الحاسم في إدارة هذا النوع من الحروب؛ ما يجعله خارج الأولويات العملياتية للاستهداف".
ويختم بأن "خريطة الاغتيالات تعكس بدقة هرم القوة الحقيقي داخل إيران، حيث الحرس هو من يقرر ويهاجم، بينما الجيش يراقب ويدافع".
وتكشف خريطة الاستهداف أن الضربات لم تكن عشوائية، بل موجهة نحو مراكز القرار والتنفيذ داخل الحرس الثوري.
في المقابل، بقي الجيش النظامي خارج دائرة الاستهداف المباشر؛ لأنه لا يمثل قلب القوة الهجومية للنظام.
وبهذا المعنى، لا تعكس الاغتيالات فقط مسار العمليات العسكرية، بل تكشف بنية السلطة نفسها، حيث يقود الحرس الحرب، فيما يقف الجيش على هامشها.