بعد نحو ثمانية أسابيع على بدء العمليات العسكرية ضد إيران، يبدو أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتقلت من نهج الصدمة العسكرية السريعة إلى سياسة ترقب مفتوحة، وسط غياب رؤية واضحة لإنهاء الصراع، ما أثار قلق الحلفاء ودوائر صنع القرار في واشنطن.
هذا التحول يعكس، وفق مراقبين، حالة من التخبط الاستراتيجي داخل البيت الأبيض، مع تصاعد الضغوط الاقتصادية العالمية نتيجة استمرار إغلاق مضيق هرمز وتعثر المسار الدبلوماسي.
في بداية الحرب، اعتمدت واشنطن على ضربات مكثفة بالتنسيق مع إسرائيل بهدف إضعاف القيادة الإيرانية وفرض واقع جديد على الأرض. إلا أن تعثر المفاوضات لاحقاً دفع الإدارة الأمريكية إلى تعديل خطابها، مؤكدة استعدادها للانتظار من أجل اتفاق "أكثر استدامة"، وفق صحيفة "الغارديان".
ترامب نفسه أقرّ بهذا التحول، مشيراً إلى أن التوقعات السابقة بإنهاء الحرب خلال أسابيع لم تتحقق، ومقارنًا الوضع بحروب طويلة مثل حرب فيتنام، في إشارة إلى إمكانية إطالة أمد الصراع.
وتقوم الاستراتيجية الحالية على مواصلة الضغط الاقتصادي على طهران، في محاولة لدفعها إلى تقديم تنازلات، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام تسوية تفاوضية غير محددة الإطار الزمني.
التحول الأمريكي لم يمر دون تداعيات على العلاقات الدولية، حيث عبّر دبلوماسيون أوروبيون عن قلقهم من غياب استراتيجية متماسكة، معتبرين أن واشنطن "تنفد من الخيارات".
كما تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وحلفائها في حلف شمال الأطلسي، بعد تصريحات لمسؤولين أمريكيين ألمحت إلى تحميل أوروبا جزءاً من المسؤولية، رغم تأثرها المباشر بأزمة الطاقة الناتجة عن إغلاق الممر الملاحي الحيوي.
وفي الداخل الأمريكي، أثار هذا التذبذب حالة من القلق بين مسؤولي البنتاغون ووزارة الخارجية، إلى جانب أعضاء في الكونغرس من الحزبين، الذين يرون أن غياب خطة واضحة قد يفاقم المخاطر السياسية والاقتصادية.
رغم تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، بما في ذلك نشر ثلاث مجموعات حاملة طائرات، لا تبدو واشنطن مستعدة للذهاب نحو تصعيد عسكري مباشر لإعادة فتح مضيق هرمز.
أحد الخيارات المطروحة هو مرافقة السفن التجارية، على غرار عملية الإرادة الجادة في ثمانينيات القرن الماضي، لكن هذا السيناريو يُنظر إليه على أنه مكلف ومحفوف بالمخاطر، خاصة في ظل التهديدات الحديثة مثل الطائرات المسيّرة.
في الوقت نفسه، كشفت تقارير عن استنزاف كبير في مخزون الصواريخ الدفاعية الأمريكية، خصوصاً منظومات "باتريوت"، ما يثير مخاوف بشأن جاهزية الولايات المتحدة لصراعات أخرى محتملة.
سياسياً، تواجه الإدارة ضغوطاً متزايدة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، حيث يمثل استمرار إغلاق المضيق وارتفاع أسعار الطاقة تهديداً مباشراً للاستقرار الاقتصادي، وبالتالي لحظوظ الجمهوريين الانتخابية.
في المحصلة، تبدو واشنطن عالقة بين خيارين أحلاهما مرّ: تصعيد عسكري مكلف وغير مضمون النتائج، أو انتظار طويل قد يمنح طهران مزيداً من الوقت لتعزيز موقعها التفاوضي، في وقت يزداد فيه العبء على الاقتصاد العالمي وتتعمق حالة عدم اليقين.