
في الضفة الغربية، الأحداث تتلاحق والمشهد يتبدل كل يوم.. فالحكاية هنا لم تعد بناء مستوطنة أو استفزازاً عشوائياً، لقد تحولت إلى عملية "خنق منظم" تجري فصولها في الخفاء والعلن. أرض تُقطع أوصالها بالمسطرة والقلم، حيث تتحول القرى إلى جزر معزولة، والمدن إلى سجون مفتوحة تحت مسميات قانونية معقدة.
إنها استراتيجية "الضغط الثلاثي".. حيث تجتمع المداهمات العسكرية، مع توسع استيطاني يبتلع نحو 61% من مساحة الضفة المصنفة كمنطقة "جيم"، وحصار مالي يطال رغيف الخبز.
لا تتعامل تل أبيب مع الضفة كمنطقة أمنية فحسب، وإنما كساحة لتنفيذ ما يصفه الخبراء بـ "الترحيل الصامت". فمن خلال حصار القرى، وتدمير البنية التحتية، وإطلاق يد مجموعات استيطانية مثل "شبيبة التلال"، يجري عزل الفلسطينيين في "معازل" جغرافية مقطوعة الأوصال؛ بهدف تحويل الحياة اليومية إلى عبء لا يطاق يدفع الناس نحو الرحيل الطوعي.
بعيداً عن الرصاص، يبرز "سلاح المال" كأداة ضغط قصوى.. فاقتطاع أموال المقاصة ومنع أكثر من 150 ألف عامل من الوصول إلى أعمالهم، لم يُنهكا السلطة الفلسطينية فقط، وإنما ضربا العمود الفقري للطبقة الوسطى. وعندما يعجز مئات آلاف الموظفين عن تأمين لقمة العيش، يصبح الانفجار الشعبي مسألة وقت..
أخطر ما يواجه الضفة اليوم هو "الانقلاب القانوني".. فبموجب قرارات الوزير "سموتريتش"، استأنفت إسرائيل تسجيل الأراضي في المنطقة "جيم" كأملاك دولة، وهي خطوة تهدف فعلياً إلى تحويل مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية التاريخية إلى أملاك تابعة لـ "دولة إسرائيل" بشكل رسمي. هذا الإجراء يهدد بمصادرة آلاف الدونمات التي يتوارثها الفلسطينيون منذ عقود، في محاولة لفرض "السيادة" وتصفية أي حلم بدولة مستقبلية.
ما يحدث اليوم، وفقاً للمراقبين، هو تصفية صامتة للقضية.. ضغط يولد انفجاراً، وقانون يسلب الأرض، واقتصاد يُذبح بدم بارد، ما يضع المنطقة برمتها على فوهة بركان.