في اليوم الأول من الحرب على إيران، كان زعيم اليمين المتطرف في بريطانيا نايجل فاراج يصرخ عبر منصة إكس: "يجب على بريطانيا أن تدعم الأمريكيين في هذه المعركة الحاسمة ضد إيران"، لكنه بعد أقل من أسبوعين، صرح بالعكس تمامًا.
وقف فاراج أمام الكاميرات، قائلا في مؤتمر صحفي "ليس لدينا بحرية، ولا يمكننا الانخراط مباشرة في حرب أجنبية أخرى"، فما الذي تغيّر؟ إنها فاتورة الطاقة. هذا ما رصدته مجلة "بوليتيكو" في تقرير كشف كيف تتحكم أزمة تكاليف المعيشة في البوصلة السياسية للشعبويين قبل أي اعتبار آخر.
حين اندلعت الحرب ولم تظهر بعد تداعياتها الاقتصادية على الأسر البريطانية، كان فاراج في طليعة المتحمسين. لكن حين بدأت أسعار النفط والغاز ترتفع بشكل حاد، وظهرت استطلاعات رأي تكشف معارضة شعبية واسعة للحرب، تحوّل زعيم حزب "إصلاح بريطانيا" بسرعة مريبة.
صاغ المتحدث المالي للحزب روبرت جينريك الموقف الجديد بوضوح: "الحرب يجب أن تنتهي في أقرب وقت لأنها تُفقر بريطانيا."
ورصد زعيم حزب الخضر زاك بولانسكي، التحول بسرعة ووصفه بأنه محاولة "للتلاعب بالرأي العام"، مُذكّراً بأن حزب فاراج أيّد الحرب في بدايتها وهو الآن "حزب الحروب الخارجية والفواتير المرتفعة".
أما زعيم الديمقراطيين الأحرار إد ديفي، فدعا الناخبين القلقين من ارتفاع تكاليف المعيشة إلى تذكر أن فاراج وزعيمة المحافظين كيمي باديناك كانا في طليعة من "هلّلوا لدونالد ترامب".
فاراج، من جهته، يرفض وصف موقفه بالتناقض، مؤكداً أن موقفه الأصلي كان يقتصر على دعم السماح للقوات الأمريكية باستخدام القواعد البريطانية، لا أن تنخرط بريطانيا عسكرياً بشكل مباشر. لكن التسجيلات تقول شيئاً آخر.
المحللة السياسية سكارليت ماغواير من مركز ميرلين ستراتيجي تشخّص ما يجري: "الرأي العام البريطاني قلق بعمق مما يراه تورطاً غير ضروري ومكلف في حروب خارجية، وثمة تحفظات جدية حول الانحياز المفرط لترامب".
وتضيف: "أزمة تكاليف المعيشة تُعمّق هذا القلق، في ظل شعور الناخبين بأن الحكومة لا تفعل ما يكفي لخفض أسعار الطاقة والتضخم".
في مواجهة هذا الضغط، لجأ فاراج وجينريك إلى "حل" كلاسيكي: تحميل "أجندة المناخ المدمرة" مسؤولية ارتفاع أسعار الطاقة، والإعلان عن تعهد بعدم رفع الضرائب على البنزين تموّله مقصلة الإنفاق الأخضر.
فاراج ذهب أبعد، متوقعاً أن يعود سعر النفط إلى ما دون ثمانين دولاراً "إن فُتح مضيق هرمز"، لكن صحفياً محلياً في دربيشاير سرعان ما ذكّره بأن ثلث سكان المنطقة يعتمدون على زيت التدفئة، وأسعاره ترتفع بالفعل.
وتراقب حكومة ستارمر المشهد بهدوء، حريصة على عدم الاصطدام بالبيت الأبيض، لكنها تسعى لتقديم نفسها بوصفها "الراشدين في الغرفة"، وأصدر وزير الطاقة إد ميليباند رسالة فيديو نادرة الرصانة يطمئن فيها الناخبين: "أزمة تكاليف المعيشة تبقى أولويتنا الأولى، لأنها أولويتكم".